طفولة تُباع في أسواق الفقر..!
في كل صباح، بينما تُفتح أبواب المدارس، تنفتح أسواق الفقر على مصراعيها لاستقبال جيل كامل من الأطفال الذين استبدلوا الحقائب المدرسية بأكياس النفايات وعلب المناديل.
لا يتعلق الأمر بظاهرة عابرة، فعمالة الأطفال في سورية أصبحت وجهاً فاضحاً لظلم السياسات الاقتصادية الاجتماعية، التي حوّلت الطفولة إلى سلعة رخيصة في سوق العمل، وحرمتهم من أبسط حقوقهم: التعليم واللعب والأمان والعيش بكرامة، فحين تعجز الأسرة عن تأمين قوت يومها، يصبح الطفل «معيلها الصغير» وتتحول طفولته إلى ثمن تدفعه الأسرة للبقاء على قيد الحياة.
في مختلف المدن السورية، هناك أطفال يبيعون المناديل والبسكويت على إشارات المرور، ومنهم يمسحون زجاج السيارات، بينما هناك من يعمل في المقاهي والورش الحرفية، وحتى في العتالة ونبش القمامة، تاركين مقاعد الدراسة نهائياً، أو يحاولون الجمع بين العمل والتعليم على حساب صحتهم وحقهم في التعلم. وفي الأرياف، يبدو المشهد أشد قسوة، أطفال يقطعون مسافات طويلة من قراهم البعيدة إلى المدن بحثاً عن عملٍ، تحت لهيب أشعة الشمس، أو في برد الشتاء القارس، ليعودوا مع حلول الظلام سيراً على الأقدام توفيراً لتكلفة النقل، معرضين للاستغلال والمخاطر الأمنية وحوادث الطريق، وكل ذلك مقابل الفتات، فأجورهم الهزيلة يتحكم بها جشع أرباب عمل يستغلون حاجتهم، فيما تُحمّل أجسادهم الصغيرة أعمالاً تفوق قدرتها، وأحياناً تنطوي على مخاطر جسدية ومهنية جسيمة.
الأرقام تفضح حجم الكارثة
تشير اليونيسف إلى وجود نحو 2,45 مليون طفل خارج المدرسة، وأكثر من مليون معرضين للتسرب، فيما يعيش 90% من السكان تحت خط الفقر.
والأخطر، أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تقر بانتشار عمالة الأطفال، لكن إجراءاتها تبقى «توعوية»، كما في الربع الأول من 2026، لم تتجاوز الغرامات المعلنة بحق منشآت مخالفة سوى 22 قراراً شملت 27 حدثاً تم تشغيلهم وهم دون السن القانونية وبأعمال محظورة، وفق تصريح مدير مديرية تفتيش العمل في الوزارة «حمد بركل» لسانا بتاريخ 12/6/2026، وتبقى هذه الغرامات رمزية أمام جحيم الفقر، ورقابة مقننة أمام معامل وورشات تستغل الصغار بأجور زهيدة.
أما قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010، رغم وضعه قيوداً على تشغيل الأحداث، وحظر الأعمال الخطرة عليهم، فإن السؤال الحقيقي هو:
أين الرقابة والتنفيذ والحماية؟!
الحل، لا يكمن في «التوعية» ولا في «الغرامات الرمزية»، بل في تغيير جذري للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت المفقرين إلى حافة العوز، والمطلوب أجورٌ تكفي للعيش بكرامة، وحماية اجتماعية حقيقية، ورقابة صارمة على سوق العمل ومحاسبة المخالفين، وبرامج تعيد الأطفال إلى مدارسهم.
إن استمرار هذا الواقع يعني أن سورية لا تُنتج مواطنين، بل تُعيد إنتاج الفقر والجهل جيلًا بعد جيل. الطفولة ليست حقل تجارب للسياسات الفاشلة، هي الخط الأحمر الذي لا يجوز المساومة عليه، فكل طفل يعمل ليطعم أسرته اليوم، هو مستقبل يُنتزع من سورية غداً.