المتقاعدون والمرض.. حقٌ مؤجل أم كرامة مهدورة؟
ليس من المبالغة القول: إن المتقاعد السوري يعيش اليوم واحدة من أقسى المراحل المعيشية والصحية في حياته. فبعد عقود أمضاها في العمل وخدمة مؤسسات الدولة والمجتمع، يجد نفسه أمام راتب تقاعدي هزيل بالكاد يسد بعض احتياجاته الأساسية، وأمام تكاليف علاج وأدوية واستشفاء باتت تلتهم هذا الراتب، وربما تتجاوزه بأضعاف.
والمفارقة الأكثر قسوة، أن الإنسان يصبح أكثر حاجة إلى الرعاية الصحية كلما تقدم به العمر، لكنه يفقد في الوقت نفسه مظلة التأمين الصحي بمجرد إحالته إلى التقاعد!
في ظل الانهيار المعيشي وارتفاع أسعار الدواء والمعاينات الطبية وأجور المشافي، لم يعد المرض بالنسبة إلى المتقاعد مجرد مشكلة صحية، بل تحول إلى تهديد مباشر لمعيشته وكرامته. فكثيرون باتوا مضطرين إلى تأجيل الفحوص، أو الاستغناء عن بعض الأدوية، أو الاكتفاء بجرعات أقل، ليس لأنهم لا يحتاجون العلاج، بل لأنهم ببساطة لا يملكون ثمنه. فأي حماية اجتماعية هذه التي تترك من أفنى عمره في العمل وحيداً في مواجهة المرض؟
والأكثر إثارة للاستغراب، أن قضية الضمان الصحي للمتقاعدين ليست جديدة، ولم تكن غائبة عن أذهان المسؤولين. ففي عهد السلطة الساقطة، طُرح مشروع لتأمين صحي إلزامي يشمل نحو 700 إلى 800 ألف متقاعد، تتحمل الخزينة العامة بموجبه 90% من تكلفة التأمين، مقابل 10% يتحملها المتقاعد، مع تغطية للاستشفاء والعمليات الجراحية بسقف مالي محدد. بل تحدث مسؤولون آنذاك عن موافقة مجلس الوزراء على المشروع، وإعداد صك تشريعي لتنفيذه. ومع ذلك، بقي المشروع حبيس التصريحات والدراسات، ولم ير النور.
وبعد سقوط السلطة، عاد الأمل إلى المتقاعدين. ففي 30 كانون الأول 2025، أعلن وزيرا المالية والصحة عن خطة لإصلاح التأمين الصحي، وتحدث وزير المالية صراحة عن وجود دراسة تستهدف المتقاعدين وكبار السن، وعن التوجه لإدخالهم ضمن مظلة التأمين الصحي في المدى المتوسط. ثم جاءت تصريحات لاحقة خلال عام 2026 لتؤكد استمرار الحديث عن توسيع شرائح المستفيدين.
لكن ماذا تحقق فعلياً؟ تقرير صحيفة الثورة السورية في 26 آذار 2026 نقل عن مدير هيئة الإشراف على التأمين تأكيده، عدم وجود نظام تأمين صحي وطني موحد للمتقاعدين، فيما أعلنت المؤسسة العامة السورية للتأمين استعدادها لتنفيذ أي برنامج بهذا الخصوص، شريطة صدور الأطر القانونية والتنظيمية اللازمة. أي إننا ما زلنا، مرة أخرى، أمام الاستعداد والدراسة وانتظار القرار!
إن المشكلة لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل، ولا يجوز التعامل مع الضمان الصحي للمتقاعدين باعتباره مشروعاً مؤجلاً إلى حين تحسن الظروف الاقتصادية. فهذه الظروف نفسها هي التي تجعل المشروع أكثر إلحاحاً وضرورة. كما أن الحديث عن إصلاح التأمين الصحي للعاملين في الدولة، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يكون مبرراً لاستمرار استبعاد المتقاعدين.
المطلوب اليوم، قرار حكومي واضح ومحدد بسقف زمني ملزم، يضع تشميل المتقاعدين بالضمان الصحي على رأس الأولويات، من خلال صندوق وطني تتكفل الدولة بالجزء الأكبر من تمويله، مع مساهمة رمزية تتناسب مع المعاش التقاعدي، وتغطية حقيقية للأدوية المزمنة والمعاينات والفحوص والاستشفاء والعمليات الجراحية.
لقد دفع المتقاعدون من أعمارهم وجهدهم سنوات طويلة، وليس من المقبول أن يكون جزاؤهم الانتظار حتى يمرضوا، ثم الانتظار حتى يستطيعوا شراء الدواء، ثم الانتظار حتى يأتي دورهم في قائمة الوعود الحكومية.
الضمان الصحي للمتقاعدين ليس منّة من الحكومة، ولا ترفاً اجتماعياً، بل حق وطني وإنساني واستحقاق من استحقاقات العدالة الاجتماعية. والاختبار الحقيقي لأي إصلاح اجتماعي هو مدى قدرته على حماية الأضعف، لا عدد الخطط واللجان والتصريحات التي تعلن عنه. لقد طال الانتظار، والمتقاعدون لا يحتاجون إلى وعد جديد، بل إلى قرار ينفذ قبل أن يصبح العلاج بالنسبة إلى كثيرين منهم أمراً متعذراً، والمرض حكماً بالفقر والعجز.