Skip to main content

رحلة شقاء من أجل لقمة العيش!

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

مع بزوغ الفجر، تبدأ نساء سوريات رحلتهن اليومية من القرى نحو المدن، يحملن ما أنتجته أيديهن من منتجات زراعية وغذائية، في رحلة لا تنتهي عند حدود العمل، بل تمتد إلى ساعات طويلة من الانتظار على الأرصفة وفي زوايا الأسواق، بحثاً عن مشترٍ لبضاعتهن، قبل أن يداهمهن المساء وموعد العودة، إنها رحلة شاقة تختصر مأساة اقتصاد يدفع النساء إلى استنزاف أجسادهن ووقتهن مقابل فتات لا يكاد يسد رمق أسرهن.

المفارقة، أن هؤلاء النسوة لا يبعن منتجاتهن فحسب، بل يبعن معها ساعات من العمل المنزلي والزراعي، وتكاليف الإنتاج والنقل، وحقهن في الراحة والحياة، وحتى حين ينجحن في تصريف بضائعهن، فإن الأسعار الزهيدة وهوامش الربح المحدودة تجعل حصيلة يومهن أقرب إلى تأمين الحد الأدنى للبقاء، منها إلى تحقيق دخل كريم.
وليست هذه المعاناة حالات فردية، فتقرير منظمة العمل الدولية لعام 2025 يشير إلى أن أكثر من 83% من فرص العمل في سورية تفتقر إلى الحماية والتنظيم، كما يشير تصريح سابق لمدير الإرشاد والتنمية الريفية في وزارة الزراعة «ربيع الحسن» العام الفائت، إلى أن ملكية النساء للأراضي الزراعية لا تتجاوز 5% مما يحرمهن مردودها المالي، رغم ساعات عمل زراعي تصل إلى 43-48 أسبوعياً.
هنا تتجاوز القضية حدود الفقر، لتكشف خللاً بنيوياً في السياسات الاقتصادية والاجتماعية: نساء يزرعن وينتجن ويصنّعن ويسوّقن، لكنهن يتحملن وحدهن مخاطر الإنتاج والتسويق وغياب الحماية، فيما تتراجع مسؤولية الدولة عن ضمان شروط الحد الأدنى من العيش الكريم.
المطلوب، ليس مبادرات موسمية ولا مساعدات مؤقتة، بل تغيير جذري في مقاربة الاقتصاد الريفي: أسواق مخصصة وآمنة، ومراكز تجميع وتسويق، ونقل مدعوم، وتمويل ميسر، وتأمين اجتماعي وصحي، وحماية قانونية لحقوق العاملات والمنتجات.
فليس مقبولاً أن تبقى المرأة الريفية محاصرة بين الأرض والمنزل والرصيف، وأن تتحول كرامتها إلى ثمن تدفعه يومياً كي لا تمد يدها لأحد، فالدولة التي تعجز عن حماية عمل نسائها وضمان ثماره، تترك نصف المجتمع يخوض معركة البقاء وحيداً.