Skip to main content

العاملات في الظل: من يحسب ساعات العمل غير المدفوعة للنساء؟

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

​تفرض التحديات الاقتصادية والاجتماعية في سورية واقعاً معقداً على المرأة، حيث تجد نفسها في مواجهة أعباء مضاعفة تتوزع بين العمل المأجور الخارجي والمسؤوليات المنزلية، والرعائية غير المدفوعة الأجر، وتتفاقم هذه الأزمة في ظل تراجع الظروف المعيشية، مما دفع نسباً قياسية من النساء إلى دخول سوق العمل لتأمين مستلزمات العيش الأساسية لأسرهن، وغالباً ما يتم ذلك ضمن قطاعات تفتقر إلى الحماية القانونية والتأمين الاجتماعي.

​تتجلى المشكلة الأساسية في التداخل الحاد بين العمل المأجور والأعمال المنزلية ورعاية الأطفال وكبار السن. فالمرأة العاملة في سورية تقضي ساعات طويلة في وظائف رسمية أو غير رسمية، لتنتقل بعدها إلى نوبة عمل ثانية داخل المنزل دون أي مقابل مالي، أو تقدير مجتمعي. هذا العبء المزدوج يُعد ركيزة خفية لاستقرار الأُسر، إلا أنه يظل خارج نطاق الحسابات الاقتصادية والتقييمات الرسمية لمفهوم الانتاج والدخل.
​تنشط النساء السوريات بشكل ملحوظ في القطاعات الهامشية وغير النظامية، مثل: الورشات المصغرة، والزراعة، والورش المنزلية، والخدمات الحرفية. وتفتقر هذه القطاعات إلى الحد الأدنى من الحماية القانونية، حيث تغيب العقود الموثقة، وتتلاشى الضمانات الاجتماعية والصحية. ورغم أن قانون العمل السوري يقر ببعض الحقوق كإجازة الأمومة وفترات الرضاعة، إلا أن واقع العمل غير المنتظم وحتى المنظم منه وضعف معرفة العاملات بحقوقهن يجعل تطبيق هذه النصوص أمراً محدود الأثر، مما يعزز الفجوة بين الحقوق القانونية المنصوص عليها وإمكانية الوصول الفعلي إليها.
​تنعكس هذه الظروف بشكل مباشر على الصحة النفسية والجسدية للمرأة العاملة. فالتراكم المستمر للمسؤوليات يؤدي إلى حالة من الإجهاد النفسي والاحتراق الوظيفي، إضافة إلى الحد من قدرتها على التطوير المهني، أو المشاركة الشاملة في الحياة العامة، كما أن تدني الأجور مقارنة بالجهد المبذول يزيد من التبعية الاقتصادية ويضعف من استقلاليتها المادية.
​يتطلب النهوض بوضع العاملات في سورية إعادة النظر في مفهوم العمل نفسه، والاعتراف بالقيمة الاقتصادية للأعمال الرعائية والمنزلية. ويتأتى ذلك من خلال تطوير سياسات حماية اجتماعية شاملة، وتفعيل الرقابة على القطاع الخاص وغير الرسمي، وتوفير خدمات رعاية مدعومة للأطفال لتخفيف العبء الأكبر عن النساء. إن تحقيق المساواة الاقتصادية لا يقتصر على فتح أبواب التشغيل، بل يتطلب بيئة عمل عادلة تضمن الحماية والكرامة وتجسد الحقوق القانونية واقعاً ملموساً.