الحقوق العمالية في مناطق الدمج الإداري
لم يعد دمج المؤسسات الخدمية والاقتصادية في سورية مجرد إجراء إداري لإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لمدى احترام الحقوق العمالية. فبينما يُطلب من الموظفين والعمال الاستمرار في أداء مهامهم، يجد بعضهم أنفسهم أمام رواتب متأخرة، ومستقبل وظيفي غامض، وحقوق معلّقة، فيما يواجه آخرون خطر فقدان عملهم بعد سنوات طويلة من الخدمة.
وتبرز هذه الإشكاليات في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، حيث أثارت أوضاع العاملين في عدد من المؤسسات الخدمية والاقتصادية مطالب تتعلق بتسديد المستحقات المالية وحسم الأوضاع الوظيفية. ولا تقف المخاوف عند حدود تأخر الرواتب، بل تتجاوزها إلى عدم تجديد عقود بعض العمال بذريعة الدمج وإعادة الهيكلة، دون وضوح كافٍ بشأن المعايير المعتمدة أو الضمانات المقدمة لحماية حقوقهم.
الأكثر خطورة، أن سنوات الخدمة الطويلة باتت مهددة بالتجاهل، وكأن العامل الذي أمضى عمره في خدمة مؤسسة عامة، يمكن الاستغناء عنه بقرار إداري، أو بانتهاء عقد، دون معالجة عادلة لوضعه أو مراعاة لالتزاماته المعيشية. إن إعادة الهيكلة لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لتصفية الوظائف على حساب العمال، ولا يجوز تحميلهم كلفة التخبط الإداري، أو التعقيدات المرتبطة بعملية الدمج.
فبأي منطق يُطلب من العامل أن يتفهم ضرورات الإصلاح، بينما لا يجد من يضمن راتبه أو يحمي استقراره الوظيفي؟ وأي عملية توحيد مؤسسي هذه التي قد تنتهي بإقصاء أصحاب الخبرة، وترك أسرهم أمام المجهول؟
إن المطلوب اليوم، ليس وعوداً عامة، بل إجراءات واضحة وملزمة: صرف المستحقات المتأخرة، وتجديد العقود التي تتوافر مبررات استمرارها وفق معايير معلنة، ومراجعة حالات عدم التجديد، وضمان التعويضات والحقوق القانونية للعاملين المتضررين.
فالدمج الإداري وإعادة الهيكلة ليس تفويضاً بانتهاك الحقوق العمالية، وإعادة الهيكلة ليست مبرراً للتنصل من المسؤولية. وأي إصلاح لا يضع كرامة العامل وأمنه المعيشي في صلب أولوياته، إنما ينقل الأزمة من المؤسسات إلى بيوت العاملين، ويحوّل الإصلاح المعلن إلى عبء اجتماعي جديد.