تعديل قانون التأمينات الاجتماعية.. إصلاحٌ بلا نقاش عام؟
كيف يمكن تعديل قانون يمسّ لقمة عيش العمال وحقوق المتقاعدين ومستقبل أسرهم، من دون نشر مسودته كاملة وإخضاعها لنقاش عام حقيقي؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتصدر النقاش حول مشروع تعديل قانون التأمينات الاجتماعية في سورية، بعدما كشفت تصريحات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، المنشورة في تشرين الأول 2026، عن توجهات تمسّ جوهر الحقوق
التأمينية، فيما لم يُعلن بوضوح عن فتح المسودة أمام المواطنين والعمال لإبداء ملاحظاتهم.
أخطر ما رشح عن المشروع، هو تغيير طريقة احتساب المعاش التقاعدي من متوسط أجر السنة الأخيرة إلى متوسط آخر خمس سنوات. وقد يبدو ذلك إجراءً تنظيمياً، لكنه في ظل التضخم والتقلبات الحادة في الأجور قد يؤدي إلى خفض الأجر المعتمد لحساب المعاش، وبالتالي تقليص الحقوق التقاعدية لبعض المشتركين. فهل دُرست آثاره الفعلية؟ وهل ستُعاد قيمة الأجور السابقة بما يراعي تراجع القوة الشرائية؟ لا تكفي التصريحات العامة للإجابة عن هذه الأسئلة.
ويثير اقتراح احتساب مستحقات العجز الكامل والوفاة وإصابات العمل على أساس متوسط أجر ثلاث سنوات، بدلاً من السنة الأخيرة في الحالات المعلنة، تساؤلات مماثلة. فهذه ليست أرقاماً محاسبية مجردة، بل حقوق تمسّ العامل المصاب وأسرته في أكثر الظروف قسوة، ويجب ألا يؤدي تعديل آلية الحساب إلى انتقاص غير مبرر من التعويضات.
أما توحيد شروط استحقاق معاش الشيخوخة بين النساء والرجال، فلا يمكن الحكم على عدالته بمجرد إعلان مبدأ المساواة؛ إذ ينبغي نشر الشروط الجديدة وتوضيح أثرها في مدد الاشتراك وسن الاستحقاق، ولا سيما بالنسبة إلى من اقتربوا من التقاعد.
ويُطرح أيضاً إنشاء صندوق للتأمين ضد التعطل عن العمل، لكن التصريحات المنشورة لم توضح مصادر تمويله، أو نسب التعويض ومدته وشروط الاستفادة منه. فكيف يُناقش مشروع كهذا قبل معرفة من سيدفع كلفته، ومن سيستفيد منه، وما الضمانات التي تمنع تحوله إلى عبءٍ إضافي على أصحاب الأجور المحدودة؟
كذلك، فإن الحديث عن الحفاظ على حقوق المشتركين السابقين لا يكفي ما لم يُترجم إلى أحكام انتقالية صريحة تحمي الحقوق المكتسبة، وتوضح كيفية احتساب معاشات من أمضوا سنوات طويلة في الاشتراك.
إن الاستدامة المالية للتأمينات ضرورة، لكنها لا ينبغي أن تتحقق على حساب العمال والمتقاعدين وحدهم. فقبل تعديل الحقوق، يجب شرح البدائل، ومكافحة التهرب التأميني، وتوسيع قاعدة المشتركين، وتحسين التحصيل والإدارة.
المطلوب، ليس رفض التعديل لمجرد أنه تعديل، بل رفض تمريره من دون شفافية ومشاركة مجتمعية حقيقية. ومن حق العمال والمتقاعدين أن يطّلعوا على النص الكامل، وأن يناقشوه قبل إقراره، لا أن يعرفوا مصير حقوقهم من خلال تسريبات وتصريحات مقتضبة.
فالقانون الذي ينظم أمن الناس الاجتماعي لا يجوز أن يُصاغ بعيداً عنهم؛ والإصلاح الحقيقي هو الذي يحمي الحقوق ويطور النظام، لا الذي يطلب من أصحاب الحقوق دفع ثمن إصلاحه.