شراكة في الإنتاج أم تبعية في القرار؟ من يملك صوتاً داخل المنشأة؟
لا تقوم المنشأة على رأس المال والآلات وحدهما، بل على جهد العمال وخبراتهم وقدرتهم على تحويل الموارد إلى منتجات وخدمات. ومع ذلك، غالباً ما تبقى القرارات المتعلقة بالأجور وساعات العمل والسلامة والاستقرار الوظيفي حكرًا على الإدارة، بينما يقتصر دور العامل على تنفيذ التعليمات، وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن اعتبار العامل شريكاً في الإنتاج، إذا كان مستبعداً من القرارات التي تحدد شروط عمله ومستقبله؟
تتعامل بعض الإدارات مع العامل بوصفه تكلفة ينبغي ضبطها، أو تخفيضها، كلما واجهت المنشأة صعوبات مالية، ووفق هذا المنطق، تصبح الأجور بنداً قابلاً للتقليص، والسلامة المهنية نفقة يمكن تأجيلها، والاستغناء عن العمال وسيلة سريعة لتقليل المصروفات، لكن هذا التصور يتجاهل: أن العمل ليس رقماً في الميزانية، وأن القرارات المتعلقة بالعامل تؤثر في كرامته وأسرته واستقراره الاجتماعي، كما تؤثر في جودة الإنتاج واستمراريته.
إن المشاركة في القرار لا تعني أن يتولى العمال إدارة المنشأة بدل أصحابها، ولا أن تُلغى مسؤولية الإدارة عن التخطيط والاستثمار ومواجهة المخاطر، لكنها تعني: أن القرارات التي تمس حياة العاملين لا ينبغي أن تُتخذ بمعزل عنهم، خصوصاً عندما تتعلق بتغيير شروط العمل، أو إعادة الهيكلة، أو إجراءات السلامة، أو تعديل الأجور والحوافز، فالمعرفة التي يمتلكها العامل عن ظروف الإنتاج ومشكلاته اليومية قد تساعد في اكتشاف الأخطاء وتحسين الأداء، وتمنح القرارات قدراً أكبر من الواقعية والقبول.
وتتخذ المشاركة أشكالًا متعددة، تبدأ بتوفير المعلومات المتعلقة بحقوق العاملين وظروف العمل، وتمر بالتشاور المنتظم مع ممثليهم، وصولًا إلى التفاوض الجماعي حول الأجور، وساعات العمل، وشروط الاستخدام، كما تشمل وجود آليات واضحة لتقديم الشكاوى والإبلاغ عن المخاطر المهنية، دون خوف من الانتقام أو الفصل التعسفي، ولا تكون هذه الآليات فعالة إذا بقيت شكلية، أو افتقرت إلى الاستقلال والقدرة على التأثير في القرارات.
وتبرز هنا أهمية النقابات والتمثيل العمالي الحقيقي. فالعامل منفرداً قد يجد صعوبة في الاعتراض على قرار إداري، خشية خسارة مصدر رزقه، بينما يتيح التنظيم الجماعي مناقشة المطالب على أساس أكثر توازناً. غير أن وجود نقابة بالاسم لا يكفي؛ إذ ينبغي أن تمتلك القدرة على تمثيل العمال، والتفاوض باسمهم، ومتابعة تنفيذ الاتفاقات، ومساءلة الإدارة عن الالتزامات المتفق عليها.
في سورية، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة، في ظل الضغوط الاقتصادية التي تجعل العامل أكثر تمسكاً بوظيفته، حتى عندما تكون شروطها غير مناسبة، فضعف البدائل المتاحة قد يدفعه إلى الصمت عن مخاطر السلامة، أو عدم عدالة الأجر، أو القرارات التي تهدد استقراره، لذلك، لا بد من تعزيز تطبيق قوانين العمل، وتفعيل الرقابة، وضمان حق العمال في التعبير عن مصالحهم ضمن أطر قانونية واضحة.
إن المنشأة التي تستمع إلى عمالها لا تتنازل بالضرورة عن سلطتها الإدارية، بل تستطيع تحسين قراراتها، وتقليل النزاعات، ورفع جودة الإنتاج.
أما المنشأة التي تطلب الطاعة دون مشاركة، فقد تحقق انضباطاً ظاهرياً، لكنها تخاطر بفقدان الثقة والمبادرة.
العامل ليس شريكاً في تحمل أعباء الإنتاج وحدها، بل ينبغي أن يكون صوته حاضراً في مناقشة شروطه وحقوقه. فالسؤال الحقيقي: ليس من يملك المنشأة فحسب، بل من يشارك في القرارات التي تصنع يوم العامل ومستقبله، وحيث يغيب الصوت العمالي، تتحول الشراكة في الإنتاج إلى تبعية في القرار.