عمالُ البسطات.. لقمةُ العيش تحت الملاحقة
خلف كل بسطة في شوارع سورية، قد يقف عامل لا يملك منها سوى أجر يومه، ينتظر نهاية النهار ليعود إلى أسرته بما يسدّ بعض احتياجاتها. لا يملك البضاعة، ولا يقرر مكان العمل، ولا يستطيع تحمّل خسارة يوم واحد من دون أن ينعكس ذلك على طعام أطفاله، أو إيجار منزله. إنه العامل المياوم، الذي يعيش على ما يكسبه اليوم، ويترك الغد للظروف والمفاجآت.
يبدأ يومه باكراً، ينقل البضائع ويرتبها، ويقف ساعات طويلة تحت الشمس أو البرد، منتظراً زبوناً يشتري، أو حركة سوق تتيح له الحصول على أجره. وقد ينتهي يومه دون أن يكسب ما يكفي، أو يجد نفسه فجأة أمام حملة لإزالة البسطة ومصادرة البضائع، فيتوقف العمل ويضيع الأجر، دون أن يكون له رأي في القرار، أو قدرة على الاعتراض.
بالنسبة إلى هذا العامل، ليست إزالة البسطة مجرد إجراء بلدي؛ إنها تهديد مباشر لقوت يومه. فهو لا يملك راتباً شهرياً ثابتاً، ولا مدخرات تحميه من الانقطاع عن العمل، ولا ضمانات تعوّضه عن الأيام التي يخسرها. وإذا توقفت البسطة، فقد يتوقف أجره معها، حتى لو لم يكن مسؤولاً عن المخالفة. وفي المساء، يعود إلى منزله مثقلاً بالقلق، لا يعرف كيف سيؤمّن احتياجات أسرته في اليوم التالي.
وتزداد قسوة المعاناة بسبب هشاشة العلاقة مع أصحاب العمل. فكثيراً ما تقوم على اتفاق شفهي لا يضمن الأجر، أو ساعات العمل، أو حقوق العامل عند انتهاء العمل. وقد يجد نفسه عاجزاً عن المطالبة بأجرٍ متأخر، خوفاً من خسارة عمله، أو مضطراً إلى قبول شروط أكثر قساوة، لأنه يعرف أن هناك من ينتظر مكانه. أما المرض أو الإصابة، فقد يعنيان انقطاع الدخل تماماً، في وقت لا تسمح فيه ظروفه بتحمل تكاليف العلاج والتوقف عن العمل.
هؤلاء العمال لا يطلبون امتيازات، بل فرصة للعمل بكرامة، وأجراً يعينهم على الحياة، وأماناً يحميهم من أن يصبحوا بلا دخل بين ليلة وضحاها. وهم لا ينكرون حق المدن في تنظيم شوارعها وحماية المارة، لكنهم يتساءلون: لماذا يكون الفقير دائماً الحلقة الأضعف؟ وأين يذهب العامل الذي يُمنع من العمل قبل أن يجد بديلاً؟ ومن يعوّضه عن يوم ضاع، أو أجر لم يُدفع، أو مصدر رزق أُغلق فجأة؟
إن معالجة ظاهرة البسطات لا ينبغي أن تبدأ من الإزالة وحدها، بل من الاعتراف بوجود عمال يعيشون على أجور يومية هشة، وتوفير أماكن بديلة مناسبة، وحماية الأجور، وتسهيل توثيق علاقات العمل، وإتاحة سبل واضحة للتظلم.
فالعامل المياوم لا يخسر بسطة لا يملكها فحسب؛ بل قد يخسر يومه وطعام أسرته وطمأنينته. وحين تُغلق أمامه أبواب العمل، لا يكون السؤال:
كم بسطة أُزيلت، بل كم أسرة تُركت بلا دخل؟ وكم عامل عاد إلى منزله خالي اليدين، يحمل همّ الغد فوق تعب اليوم؟