Skip to main content

العامل ينتج الثروة… فلماذا يعيش على حافة الفقر؟

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

​يمثل التناقض بين حجم المساهمة الاقتصادية للعمال- وبين نصيبهم النهائي من الدخل- أزمة جوهرية في الاقتصاد المعاصر، فبينما تشكل القوة العاملة حجر الزاوية في العملية الإنتاجية، وتصنع القيمة المضافة للسلع والخدمات، تظل فئات واسعة منها تعيش على حافة الفقر وتغرق في الديون، يستدعي هذا المشهد المأزوم طرح سؤال جوهري حاسم: من يستحوذ عملياً على ثمار زيادة الإنتاج؟

​تنشأ هذه الفجوة الهيكلية من طريقة توزيع القيمة المضافة داخل المؤسسات الإنتاجية. عندما يقوم العامل بإنتاج سلع تتجاوز قيمتها تكلفة مستلزمات الإنتاج، وتتولد قيمة جديدة تُقسم أساساً إلى جناحين: الأجور والأرباح. وفي النظم الاقتصادية الحالية، يميل ميزان القوى لصالح أصحاب رأس المال، مما يجعل حصة الأرباح تتصاعد باستمرار، بينما تبقى الأجور ثابتة، أو ترتفع بمعدلات ضئيلة لا تتناسب مع معدلات نمو الإنتاجية الكلية.
​يتضح هذا الاختلال بشكل جلي، عند النظر في قضية الأجور وتكاليف المعيشة. فمع تصاعد معدلات التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية، كالغذاء والسكن والخدمات الطبية، تفقد الأجور القوة الشرائية الفعلية. وبذلك يجد العامل نفسه يعمل لمدد أطول، وينتج كميات أكبر، لكن دخله الحقيقي يتراجع، مما يدفعه نحو خط الفقر، إن ثمار الطفرات الإنتاجية والتطور التكنولوجي تحولت في معظمها إلى أرباح صافية وحوافز للإدارات العليا، بدلاً من إعادة توظيفها في تحسين أجور الأيدي العاملة.
​علاوة على ذلك، تلعب قوة التساوم دوراً محورياً في تحديد نصيب العامل من الثروة. مع ضعف النقابات العمالية، وتراجع الحماية القانونية، وظهور أنماط العمل المرن والجزئي، أصبح العامل يفتقر إلى الأدوات التفاوضية، التي تمكنه من المطالبة بحصة عادلة، تسبب هذا الانكشاف المالي في ترسيخ حالة عدم الاستقرار الوظيفي، وجعل فئات واسعة من العمال محاصرة في دائرة الفقر، حتى مع امتلاكها لعمل دائم.
​إن الاستحواذ غير المتكافئ على ثمار الإنتاج لا يضر بالعمال وحدهم، بل يمتد أثره ليزعزع استقرار الاقتصاد بأكمله. فالأجور الضعيفة تضعف القدرة الشرائية العامة، مما يؤدي إلى تراجع الطلب على السلع والخدمات وتعميق الفوارق الطبقية، ولتجاوز هذا التناقض الحاد، تحتاج المجتمعات إلى إعادة هيكلة السياسات الاقتصادية والضريبية، وتطبيق حد أدنى للأجور يضمن الحياة الكريمة، وضمان توزيع القيمة المضافة بإنصاف، إن تقليص الفجوة بين الأرباح والأجور هو الطريق الوحيد لبناء اقتصاد عادل ومستدام، يضمن لكل من يشارك في صنع الثروة، أن يمتلك نصيباً عادلاً يحميه من الفقر.