Skip to main content

حين يكون «السّوِيّ» عاطلاً عن العمل.. فكيف بذوي الإعاقة؟

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

ليست المشكلة في سورية اليوم أن هناك عاطلين عن العمل فحسب، بل أن سوق العمل نفسه «مشوّه» وبات عاجزاً عن تحويل التعليم والمهارة والخبرة إلى فرصة عمل مستقرة.

شاب يحمل شهادة جامعية، وربما دراسات عليا، ودورات تدريبية وخبرة مهنية، قد يقضي سنوات وهو يطرق أبواباً موصده، وينتقل بين فرص مؤقتة، وأعمال هامشية لا تمت إلى اختصاصه بصلة، أو يقبل بأي عمل يوفر له دخلاً بالكاد يسد جزءاً من احتياجاته.
وإذا كان هذا هو حال من يمتلك كامل القدرة على الحركة والعمل والمنافسة، فالسؤال الأكثر قسوة الذي يطرح نفسه هو:
كيف سيكون حال الأشخاص ذوي الإعاقة داخل سوق بهذه المواصفات؟!


سوقٌ يُعيد إنتاج الهشاشة


المؤشرات المتاحة ترسم صورة شديدة القسوة، فوفق البيانات الرسمية تجاوزت البطالة الـ 60%، كما أكد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لعام 2025، وجود واحد من كل أربعة أشخاص عاطل عن العمل، مع تأكيد تقرير لدراسة أجرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 2026، انتشار العمل غير المنظم واليومي.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق: حين تضيق قاعدة الاقتصاد المنتج، تتسع قاعدة الأعمال الهشة، فيصبح العمل مجرد وسيلة للبقاء، لا مساراً للاستقرار وبناء المستقبل، وهذا تحديداً ما تشير إليه قراءة حديثة لسوق العمل السوري، تربط انتشار الوظائف الهشة وضعف الإنتاجية بغياب الأمان الاقتصادي والاجتماعي.


لكن ماذا عن ذوي الإعاقة؟


هم لا يدخلون سوقاً سليماً، ثم يحتاجون إلى «استثناء»، إنهم يدخلون سوقاً مختلاً أصلاً، ثم يواجهون فوق اختلاله عوائق إضافية: محدودية المهن الملائمة، صعوبة الوصول والتنقل، الحاجة إلى تهيئة مكان العمل ليتناسب مع نوع الإعاقة ونسبتها، وأحياناً أحكاماً مسبقة تختزل الإنسان في إعاقته، بدلاً من النظر إلى قدرته وإنتاجيته.
فبعض المهن غير ملائمة أصلاً، تجعل دائرة الخيارات لهم أضيق من دائرة الخيارات المتاحة للعامل السليم.
والأخطر، أن الدولة، بدلاً من توسيع هذه الدائرة، قد تساهم في تضييقها.
وقد كشفت حالات إنهاء عقود عاملين من ذوي الإعاقة في القطاع العام خلال 2026 عن هشاشة الحماية العملية لهذه الفئة، رغم وجود أطر قانونية يفترض أن تضمن إدماجها في العمل.


المشكلة ليست في ذوي الإعاقة


لا يجوز التعامل مع تشغيل ذوي الإعاقة باعتباره ملفاً «خيرياً» أو «منّة» اجتماعية، إنه حق، وفي الوقت نفسه اختبار حقيقي لطبيعة الاقتصاد والدولة، فإذا كان الاقتصاد لا يجد مكاناً لخريج مؤهل، ولا لصاحب خبرة، ولا للشاب القادر على العمل، فإن المشكلة ليست في نقص رغبة الناس بالعمل، بل في نموذج اقتصادي لا يُولّد ما يكفي من العمل المنتج.
لذلك، لا يكفي إنشاء برامج تدريب جديدة، أو إطلاق وعود بالتشغيل، المطلوب تغيير اتجاه البوصلة: إعادة بناء قطاعات إنتاجية حقيقية في الصناعة والزراعة والخدمات ذات القيمة المضافة، وتوسيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المنتجة، وربط التعليم والتدريب باحتياجات الاقتصاد، وإنشاء خدمات عامة فعلية للتوجيه والتشغيل والمواءمة بين المهارات والوظائف.
والأهم، أن تكون هذه السياسة شاملة منذ البداية، بحيث يكون الأشخاص ذوو الإعاقة جزءاً من سوق العمل، لا ملحقاً به.
بالمحصلة، المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة اقتصادية ليس عدد الوظائف التي يمكن الإعلان عنها، بل نوعيتها واستدامتها وقدرتها على استيعاب الإنسان بمهارته واختلافه، أما ترك السوريين «أصحاء وذوي إعاقة» يتنافسون على أعمال هشة ومتقطعة، ثم تحميلهم مسؤولية البطالة، فليس حلاً للأزمة؛ بل إعادة إنتاج لها.
لا يمكن بناء اقتصاد جديد بعقلية توزّع الهشاشة بالتساوي. المطلوب اقتصاد ينتج العمل، ودولة تضمن الحق فيه، لا دولة تكتفي بإحصاء العاطلين بعد أن تغلق أمامهم الأبواب.
وتؤكد منظمة العمل الدولية: أن التعافي السوري يحتاج إلى خلق وظائف لائقة ونظم عمل شاملة، مع اهتمام خاص بالأشخاص ذوي الإعاقة.
إن غياب الدولة عن أداء واجبها ليس نسياناً، بل اختياراً يكرّس التهميش والإفقار، ويحرم الوطن من طاقات لا تقدر بثمن!