Skip to main content

حين لا تكفي زيادة الراتب: لماذا يصبح الدعم ضرورة لحماية العامل؟

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

في الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العامل السوري، لم تعد مشكلة الدخل مرتبطة فقط برقم الراتب، بل بما يستطيع هذا الراتب أن يشتريه فعليًا، فحين ترتفع أسعار الغذاء والنقل والطاقة والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الأجور، تصبح الزيادة الاسمية في الراتب عاجزة عن حماية القدرة الشرائية للعامل، وقد تتحول بعد فترة قصيرة إلى رقم جديد لا يغير كثيراً من واقع الأسرة المعيشي.

من هنا تبرز أهمية الدعم غير المباشر بوصفه أداة مكملة لسياسة الأجور، وليس بديلاً دائمًا عنها. فبدل أن تذهب كل الموارد المتاحة إلى زيادة نقدية قد تتآكل قيمتها بفعل ارتفاع الأسعار، يمكن توجيه جزء منها مباشرة إلى النفقات التي تستنزف دخل العامل كل يوم.
يأتي النقل في مقدمة هذه النفقات، فالعامل الذي يضطر إلى دفع جزء كبير من دخله للوصول إلى مكان عمله، يحصل عملياً على أجر أقل مما يبدو على قسيمة راتبه، ويمكن، في هذا المجال، اعتماد بطاقات نقل مدعومة للعاملين ذوي الدخل المحدود، أو تخفيض أجور النقل العام، أو تقديم مساهمة مباشرة في تكاليف التنقل، مثل هذا الإجراء يصل إلى العامل بصورة مباشرة، ويضمن أن جزءاً من دخله لن يذهب إلى تكلفة الوصول إلى العمل.
والأمر نفسه ينطبق على المواد الغذائية الأساسية، فدعم بعض السلع الضرورية عبر قنوات منظمة وشفافة، مع استهداف الأسر الأكثر احتياجاً، يمكن أن يخفف الضغط عن ميزانية الأسرة، لكن نجاح هذا الدعم يتوقف على منع تسربه، أو تحوله إلى منفعة للوسطاء والمضاربين، ولذلك يحتاج إلى آليات رقابة واضحة وقابلة للقياس.
كذلك يمكن تخفيف أعباء الخدمات الأساسية، مثل: الكهرباء والمياه والاتصالات، من خلال شرائح تعرفة تراعي مستوى الدخل، فالعامل لا يعيش من الراتب وحده؛ بل يدفع من راتبه مقابل عشرات الاحتياجات التي لا يمكن الاستغناء عنها، وكل ليرة يتم توفيرها في هذه النفقات تعني قدرة أكبر على تأمين الغذاء والدواء والتعليم.
الدعم غير المباشر لا يلغي ضرورة رفع الأجور، بل يمنح سياسة الأجور وقتاً ومساحة لتصبح أكثر استدامة، فزيادة الراتب يجب أن تكون جزءاً من سياسة اقتصادية متكاملة، لا قراراً منفرداً يلاحق الأسعار بعد ارتفاعها.
وفي النهاية، المطلوب ليس أن يختار العامل بين راتب أعلى ودعم أفضل، بل أن تتكامل الأداتان: أجر عادل يحفظ قيمة العمل، ودعم موجّه يحمي الأسر من أعباء النفقات الأساسية. ففي الظروف الحالية، حماية العامل لا تعني فقط زيادة ما يدخل جيبه، وإنما أيضاً: تخفيض ما يخرج منه.