سوق العمل بين الهشاشة والإنتاجية: مسار النماء الاقتصادي؟!
يعاني الاقتصاد السوري من أزمة عميقة لا تتعلق بحجم البطالة المرتفع فحسب، بل تمتد لتطال نوعية الوظائف المتاحة وتأثيرها على استقرار المجتمع، ويكمن التحدي الأكبر اليوم في الانتشار الواسع للوظائف الهشة التي افتقرت إلى الاستدامة والإنتاجية، واقتصرت على توفير دخل متذبذب لا يحقق الأمان الاجتماعي أو الاقتصادي للعمال، مما يحول بين الطاقة البشرية وتحقيق نهضة حقيقية.
إن الاعتماد المفرط على الأنشطة الهامشية، والتوسع العشوائي في وظائف قطاع الخدمات المتواضعة، ولّد بيئة عمل ضعيفة المردود الأجرِي، وتفتقر أدنى التغطيات التأمينية والصحية، هذه الهشاشة تدفع نحو دورة لا تنتهي من الفقر والتهميش، حيث تنفق القوى العاملة جهداً كبيراً دون العثور على أمان مهني حقيقي، ما ينعكس سلباً على رفاهية الأسر واستقرار المجتمع.
يتطلب الخروج من هذه الدوامة تدخلاً استراتيجياً لتوجيه رؤوس الأموال والاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية الكبرى، تأتي الصناعة التحويلية والزراعة الحديثة والخدمات ذات القيمة المضافة العالية، كالتقنية والبحث العلمي، في مقدمة المحركات القادرة على توليد فرص عمل مستدامة، وتوفير قيمة مضافة حقيقية للناتج المحلي، يتطلب التحول المطلوب وضع سياسات مالية وتنظيمية محفزة للشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة المبتكرة، لتشجيعها على التوسع والتطور.
كما يلعب تطوير منظومة التعليم والتدريب المهني دوراً حاسماً في إعداد الكوادر والتوافق مع المهارات التي تتطلبها قطاعات الإنتاج الحديثة، يتعدى إصلاح سوق العمل حدود توفير لقمة العيش، فهو يستوجب تعزيز العدالة الاجتماعية عبر تشريعات تحمي حقوق العاملين، وتضمن لهم بيئة عمل آمنة، وأجوراً عادلة، وشبكة أمان اجتماعي متماسكة تقيهم التقلبات الاقتصادية.
في النهاية، يكمن الحل الشامل في صياغة رؤية اقتصادية متكاملة توازن بين التحفيز الاستثماري والحماية الاجتماعية، لننتقل من حلول التوظيف المؤقتة والرخيصة إلى بناء اقتصاد يتسم بالملاءة والإنتاجية، ويضمن جودة الحياة للجميع.