Skip to main content

عمال يحترقون في الظل، فمَن يحمي حقوقهم؟!

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

في زوايا المولات والمحال التجارية ومراكز البيع المشابهة، حيث تتلألأ الواجهات وتصدح الموسيقى، يقف آلاف الشباب السوريين خلف الكواليس، يؤدون أعمال البيع وخدمة الزبائن، بينما هم يواجهون ظروف عمل صعبة في ظل سوق عمل هشّ يفتقر فيه كثير من العاملين إلى الاستقرار والحماية.

هؤلاء هم عمال المبيعات، شريحة من العمال تعكس ظروفها جانباً من واقع سوق العمل الصعب الذي يعيشه الشباب السوريون.
تبدأ الحكاية من ساعات العمل الطويلة، حيث تتراوح «الورديات» بين 10 و12 ساعة يومياً، وفق شهادات عدد من العمال، وهي مدة تتجاوز الحد القانوني، بحسب التشريعات الناظمة للعمل. ويضاف إلى ذلك الوقوف المتواصل، تحت وطأة كاميرات المراقبة ورقابة المشرفين، الأمر الذي قد يخلق بيئة عمل مرهقة وضاغطة، خصوصاً مع تكرار ساعات الوقوف الطويلة والخوف من الوقوع في الأخطاء، وما قد يرافق ذلك من آلام في الظهر والمفاصل ومشكلات صحية مرتبطة بطبيعة العمل.
وفي كثير من الحالات، لا تتوفر للعامل مساحة أو وقت كافٍ للاستراحة، كما تغيب الإجازات المنتظمة أو العطلة الأسبوعية الكافية، ليصبح يوم العطلة، حين يتوفر، فرصة لاستعادة شيء من الطاقة التي استُنزفت خلال أيام العمل الطويلة.
أما الأجور، فتشكل واحدة من أبرز المشكلات؛ إذ يتراوح الدخل الشهري، وفق شهادات متداولة بين العاملين، بين 10,000 و15,000 ليرة سورية جديدة في بعض الحالات، وقد يخضع الراتب أحياناً لنظام «العمولات» أو نسبة من المبيعات، ما يجعل جزءاً من دخل العامل مرتبطاً بحجم المبيعات وحركة السوق.
وتزداد الضغوط مع المسؤولية المالية؛ إذ قد يتحمل العامل تبعات أي نقص في الصندوق، أو الموجودات من خلال اقتطاعات من راتبه، وهو ما يضاعف العبء على دخل محدود أساساً.
كذلك، يعمل بعض العاملين من دون عقود واضحة أو مسجلة، ما يعني افتقارهم إلى بعض أشكال الحماية التي يوفرها عقد العمل، بما فيها التأمينات والضمانات الاجتماعية، ويجعلهم أكثر عرضة لفقدان عملهم، أو استبدالهم من دون حماية كافية.
وأمام ارتفاع معدلات البطالة وصعوبة الحصول على فرص عمل مستقرة، يجد كثير من العمال أنفسهم مضطرين إلى قبول مهام إضافية خارج توصيفهم الوظيفي، مثل: تحميل البضائع والجرد والترتيب، إضافة إلى التعامل مع الزبائن وتحمل ضغوط العمل، من دون أن يقابل ذلك دائماً أجر إضافي.
هذا الواقع لا يتعلق بحالات فردية فحسب، بل يكشف عن مشكلة أوسع في سوق العمل، حيث يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة بين القبول بظروف عمل مرهقة، أو خسارة مصدر دخل هم بأمسّ الحاجة إليه.
إن ضعف الرقابة، وغياب التمثيل النقابي الفعّال في بعض القطاعات، وضعف معرفة العمال بحقوقهم، كلها عوامل تترك شريحة واسعة منهم في موقع هشّ أمام أصحاب العمل.
المطلوب، ليس مجرد حلول مؤقتة، بل منظومة عمل أكثر عدالة، تضمن تطبيق القانون، وتوفر عقوداً واضحة، وساعات عمل واستراحات عادلة، وأجوراً تتناسب مع حجم العمل، وآليات فعّالة لحماية العامل من الاستغلال والفصل التعسفي.
فحماية حقوق العامل لا تعني الوقوف في وجه أصحاب العمل، بل تعني بناء سوق عمل يحفظ كرامة الإنسان، ويضمن في الوقت نفسه بيئة اقتصادية أكثر استقراراً وعدالة.