Skip to main content

تطبيق «الوكلاء» يكشف الوجه الآخر لسوق العمل السوري

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

لم تطلق وزارة التربية والتعليم تطبيق «الوكلاء» بهدف قياس البطالة في سورية، وإنما لتنظيم التقدم إلى فرص العمل التعليمية، وأتمتة الإجراءات، وإلغاء المعاملات الورقية، وبناء قاعدة بيانات تساعدها على سد الشواغر وفق المؤهلات والاختصاصات. لكن التطبيق أتاح، من حيث لا تقصد الوزارة ربما، فرصة لالتقاط مؤشر لافت عن حجم الطلب الكامن على العمل في سورية.

في 10 آب 2026 أعلنت الوزارة بدء استقبال طلبات التسجيل اعتباراً من 11 آب وحتى 20 منه، قبل أن تمدد فترة التسجيل في 25 آب حتى نهاية دوام 27 آب، لإتاحة المجال أمام الراغبين باستكمال طلباتهم. وخلال هذه الفترة القصيرة، التي لم تتجاوز 17 يوماً تقويمياً بعد التمديد، وصل عدد الطلبات الإلكترونية إلى 173,579 طلباً.
لا يعني هذا الرقم أن عدد العاطلين عن العمل في سورية هو 173,579، فالمتقدمون ليسوا بالضرورة جميعاً عاطلين بصورة كاملة؛ فقد يكون بينهم خريجون جدد، أو أشخاص يعملون بصورة مؤقتة أو غير مستقرة، أو عاملون يبحثون عن فرصة أفضل. كما أن الرقم لا يشمل من لم يتقدموا إلى هذه الفرصة أصلاً. لكن أهميته تأتي من مكان آخر؛ هؤلاء أشخاص أبدوا فعلياً استعدادهم للمنافسة على فرصة عمل عندما ظهرت أمامهم، وسجلوا بياناتهم ومؤهلاتهم عبر منصة مخصصة للتوظيف.
وبهذا المعنى، فإن الرقم يمثل مؤشراً غير مباشر على حجم «العرض الكامن» من قوة العمل، أو على الأقل على حجم الكتلة الباحثة عن فرصة في القطاع التعليمي. إنه ليس معدل بطالة، لكنه أكثر من مجرد رقم إداري؛ لأنه يعكس سلوكاً فعلياً في سوق العمل.
وتزداد دلالة الرقم عند النظر إلى تركيب المتقدمين. فقد بلغ عدد حملة الإجازات الجامعية 70,999 طلباً، بما يقارب 40,9% من الإجمالي، فيما بلغ عدد حملة الشهادة الثانوية 62,674، أي نحو 36,1%. أما حملة شهادات المعاهد فبلغوا 23,043، بنسبة تقارب 13,3%، والهندسية 6,921 بنسبة 4%، والدبلوم 5,078 بنسبة 2,9%، وخريجو معاهد إعداد المدرسين 3,230 بنسبة 1,9%، إضافة إلى 1,073 من حملة الماجستير، و372 من حملة العلوم الطبية، و56 من حملة الدكتوراة.
وبذلك تشكل طلبات حملة الإجازات الجامعية والثانوية وحدها نحو 77% من الإجمالي. وهذه ربما تكون إحدى أكثر الدلالات أهمية؛ فالمشهد لا يتعلق بأشخاص يبحثون عن أي وظيفة فقط، وإنما يكشف أيضاً عن كتلة كبيرة من حملة المؤهلات، وفي مقدمتهم عشرات الآلاف من الجامعيين، الذين يجدون أنفسهم في منافسة على فرصة محدودة في سوق العمل.
غير أن الرقم الأكثر أهمية الذي ما زلنا بحاجة إليه هو عدد الشواغر التي كانت الوزارة تسعى إلى سدها. فمعرفة أن 173 ألف شخص تقدموا لا تكفي لقياس ضغط سوق العمل ما لم نعرف عدد الفرص المتاحة. فإذا كانت الشواغر 20 ألفاً، مثلاً، فهذا يعني نظرياً نحو 8,7 متقدم لكل فرصة، وإذا كانت 30 ألفاً فالمعدل يقارب 5,8 متقدم لكل فرصة. وعند إعلان عدد المقبولين فعلياً، ستصبح دلالة الرقم أكثر وضوحاً.
من هنا يمكن النظر إلى تطبيق «الوكلاء» بوصفه مرآة رقمية غير مقصودة لسوق العمل. فالوزارة كانت تبحث عن مدرسين لسد الشواغر، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن حجم الأشخاص الذين ينتظرون فرصة للعمل. وبين الطرفين تظهر المشكلة الاقتصادية الأوسع؛ ليس نقص الوظائف فقط، وإنما الفجوة بين أعداد طالبي العمل وقدرة الاقتصاد على استيعابهم، وبين المؤهلات التي يحملونها والفرص المتاحة لهم.
لا يقدم التطبيق إذاً رقماً عن البطالة الوطنية، لكنه يقدم شيئاً بالغ الدلالة؛ عندما فتحت جهة حكومية واحدة، وفي قطاع واحد، نافذة تشغيل لفترة قصيرة، ظهر أمامها نحو 174 ألف راغب بالفرصة. وإذا كان هذا هو حجم الطلب الكامن في قطاع التعليم وحده، فإن السؤال الأوسع الذي تطرحه البيانات هو: كم يبلغ حجم الكتلة التي تنتظر فرصة عمل في الاقتصاد السوري بأكمله؟