Skip to main content

عمال «المياومة...» جيش من الجياع تحت سوط الفقر والاستغلال

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

في كل صباح، يتجمع عشرات الشباب والرجال في ساحات المدن السورية، على أرصفة الأسواق ومداخل ورش البناء، ينتظرون فرصة عمل قد تأتي أو لا تأتي. يحملون قوة عملهم ووقتهم «رأس مالهم الوحيد»، يعرضون أجسادهم للخطر مقابل أجر يومي زهيد، في مشهد يعيد إنتاج مأساة الطبقة العاملة المهمشة في صورة أقسى من الخيال.

 غالباً يضطر عمال المياومة إلى قبول أي عمل مؤقت متاح، مثل: أعمال البناء- التحميل والتنزيل- الزراعة- النظافة- أعمال الورش- النقل والخدمات- الأعمال المنزلية.
وفي كثير من الحالات تكون هذه الأعمال شاقة، غير مستقرة، وأجرها يُدفع يوماً بيوم، وقد يقبل العامل عملاً لا يتناسب مع مهارته بسبب الحاجة إلى الدخل.
«المياومون» في سورية ليسوا أصحاب مهنة، بل جيش من المساعدين المؤقتين، ومع انهيار الاقتصاد وتضاؤل فرص العمل، تزايدت أعدادهم بشكل دراماتيكي، ليتحولوا من شريحة هامشية إلى ظاهرة اجتماعية تعكس عمق الأزمة، لكنّ المفارقة المروعة أن ازدياد أعدادهم قاد إلى انهيار أجورهم المتدنية أصلاً، بفعل المنافسة الشرسة على لقمة العيش.
يُصنّف الاتحاد الدولي لنقابات  (ITUC)  أعمال التحميل والبناء ضمن المهن عالية الخطورة، فهؤلاء يعملون لساعات تصل إلى 12 ساعة يومياً، دون أي تأمين صحي أو تعويض عن الإصابات، التي تطالهم يومياً جرّاء رفع الأوزان الثقيلة أو السقوط من المرتفعات.
يقول أحد العمال «نشتغل بشكل يومي، وإذا تعرض أحدنا لإصابة فلا يوجد أي تعويض، وكل عامل يتحمل نتيجة إصابته بنفسه».
 بلغة الأرقام يكشف برنامج الأغذية العالمي أن متوسط الأجر اليومي للعامل المياوم في حزيران 2026 بلغ 966 ل.س جديدة (7,92 دولارات)، أي نحو 25,116 ليرة شهرياً، بحال استمرارية العمل طبعاً، وهو دخل يقل عن كلفة سلة الإنفاق الأدنى لأسرة من خمسة أفراد البالغة 26,551 ليرة.
 لا قانون يحمي هؤلاء العمال، ولا نقابة تدافع عنهم، فبالرغم من أن قانون العمل السوري يضمن شمول كل من يعمل لقاء أجر، وقانون التأمينات الاجتماعية يُلزم بتسجيل جميع العمال، تبقى النصوص حبراً على ورق أمام واقع لا يُطبّق. وفي ظل غياب الرقابة والتنظيم، يتحوّل هؤلاء العمال إلى فريسة سهلة لأصحاب العمل الذين يستغلون حاجتهم الماسة، فيُشغّلونهم دون عقود، ويُنهون خدماتهم بنهاية كل يوم عمل «كسلع مستهلكة».
 هذه ليست مجرد قضية عمالية، بل وصمة عار إنسانية وحقوقية ونقابية وقانونية وسياسية.
إن استمرار هذه المعاناة ليس نتيجة حتمية للأزمة، بل خيار سياسي واقتصادي يكرّس تهميش الفئات الأضعف، فتحويل عمال المياومة من مساعدين بلا مهنة إلى عمّال مهرة يتمتعون بحقوقهم، وإلزام أصحاب العمل بتسجيلهم في التأمينات الاجتماعية وتوفير الحد الأدنى من شروط السلامة، والأهم توفير المزيد من فرص العمل النظامية، ليس ترفاً، بل واجب قانوني وأخلاقي. فالكارثة الحقيقية ليست في فقر هؤلاء العمال، بل في موت الضمير الرسمي الذي يرضى بهذا المشهد المستمر ولا يحرّك ساكناً!