Skip to main content

العمالة النسائية الزراعية تكتب ملحمة كفاحٍ بلا ضمانات!

 |  قاسيون  |  نقابات وعمّال

في مشهد يتكرر مع كل موسم زراعي، تشرق الشمس على آلاف النساء السوريات اللواتي يغادرن منازلهن قبل الفجر، متجهات إلى الحقول التي أصبحت ساحات كفاح يومي من أجل لقمة العيش. فيشكلن العمود الفقري للقطاع الزراعي في سورية، ويعملن في صمت تحت وطأة الحر والبرد، دون أن تلتفت إليهن دولة أو مؤسسة، ودون أن يلمس أيديهن أي قانون يحمي كرامتهن، أو حق من حقوقهن.

فخلال شهر آب، تبدأ رحلة قطف العنب، وهي واحدة من أشقى المهام الزراعية التي تتطلب جهداً بدنياً مضنياً تحت حرارة الصيف اللافحة، يليها في أيلول موسم قطاف القطن، حيث تمضي النساء ساعات طويلة وهن منحنيات بين صفوف المحصول، ثم يحين موسم الزيتون، لتنتقل المعاناة إلى التلال والوديان، حيث تقطف النساء الثمار بأيديهن تحت برد الخريف، وربما مطر الشتاء.
ومع بداية الصيف، تعود الفواكه لتفرض حضورها، فيما تبقى الخضروات الصيفية والخريفية مشهداً متغيراً على مدار العام.
إنها دورة زراعية لا تتوقف، ومعها لا تتوقف معاناة النساء اللواتي أصبحن يشكلن النسبة الأكبر من العمالة الموسمية في الريف السوري، خاصة بعد هجرة الرجال بحثاً عن فرص عمل.
فما الذي تحصل عليه العاملة الزراعية السورية مقابل كل هذا العناء؟
حسب شهادات حية من ريف الحسكة، تتراوح الأجور اليومية بين 600- 1000 ل.س جديدة، وهو مبلغ بالكاد يسد الرمق! 
ولا يختلف الأمر كثيراً في باقي المحافظات، فأجر ساعة عمل في قرى حماة لا يتجاوز 150 ل.س.
وهذا ليس مجرد تدنٍ في الأجور، بل هو استغلال ممنهج لقهر النساء تحت ضغط الحاجة بظل ندرة فرص العمل، وفي وقت تُحلّق فيه أسعار الاحتياجات الأساسية اليومية.
لكن الأدهى من تدني الأجور، هو الغياب التام لأي حماية قانونية، حيث تعمل هؤلاء النساء دون عقود، ودون تأمين صحي، ودون ضمان اجتماعي. ففي حال تعرضت إحداهن لإصابة أثناء العمل، أو في طريقها إليه، لا يوجد من يعوضها أو يتحمل نفقات علاجها.
إنهن يعملن في ورش لا يكفلها القانون، ولا تنظر إليهن نقابة، أو اتحاد.
ولعل حادث السير المروع الذي وقع في ريف إدلب الجنوبي مطلع أيار الفائت، والذي أدى إلى إصابة 40 عاملة، كنّ في طريقهن إلى الحقول، ليس سوى غيض من فيض من المآسي التي تتكرر بصمت.
إنها «شاحنات الموت» التي تقل ضحايا الجوع والاستغلال» في مشهد يعكس حجم المخاطر التي يتعرضن لها يومياً.
إن قانون تنظيم العلاقات الزراعية رقم 12 لعام 2011، والمرسوم رقم 134 لعام 1958 الذي ينظم العلاقة بين ملّاك الأراضي والعمال الزراعيين، يبدو أنها حبرٌ على ورق. فالغرامة المترتبة على دفع أجور تقل عن الحد الأدنى تتراوح بين 50 و200 ل.س قديمة فقط، وهو مبلغ لا يساوي شيئاً في اقتصاد يغلي بالتضخم. 
إنها سخافة قانونية تجعل من حماية العاملات الزراعيات مجرد نكتة ثقيلة.
فما تحتاجه العاملة الزراعية السورية ليس وعوداً إعلامية، ولا إصلاحات تجميلية، بل ثورة تشريعية حقيقية تضع حداً لهذا الاستغلال المقونن، وعلى وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل، والزراعة، أن تتحملا مسؤوليتهما في:
إعادة النظر في قانون العمل الزراعي، ووضع حد أدنى للأجور يتناسب مع تكاليف المعيشة، وربطه بسعر الصرف لحمايته من التآكل.
إلزام أصحاب العمل بتسجيل العاملات في الضمان الاجتماعي، وتوفير التأمين الصحي لهن، وضمان تعويضهن في حال الإصابات.
تنظيم نقل العاملات إلى مواقع العمل ووضع معايير سلامة صارمة تمنع تكرار حوادث «شاحنات الموت”.
تفعيل دور مفتشي العمل في المناطق الريفية، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، لا غرامات هزيلة وهزلية لا تجدِي نفعاً.
إطلاق حملات توعوية لتعريف العاملات بحقوقهن القانونية، وفتح قنوات للشكاوى تمكنهن من التبليغ عن أي انتهاك دون خوف من الانتقام.
إن النساء العاملات في الزراعة في سورية يكتبن يومياً ملحمة صمود لا تقل عن أي ملحمة وطنية، لكن الملاحم لا تُكتب بالجوع، ولا تخلّد بالاستغلال. 
آن الأوان أن تنظر الدولة إلى هؤلاء النساء اللواتي يحملن على أكتافهن قطاعاً زراعياً يئن تحت وطأة الحرب، فتمنحهن ما يستحققن من كرامة وحقوق، قبل أن يظل حصاد السنوات القادمة ليس سوى دماء وأشواك!