حقّ العامل في العناية الطبية
لم يضع المشرّع حق العامل في العناية الطبية ترفاً قانونياً، أو امتيازاً يمكن لصاحب العمل أن يمنحه متى شاء ويحجبه متى شاء، بل جعله التزاماً واضحاً وجزءاً من الحماية الاجتماعية الملازمة لعلاقة العمل.
فقد أوجب قانون العمل رقم 17 لعام 2010 على صاحب العمل تقديم الرعاية الصحية، وفصّل في المادة 94 صور العناية الطبية بحسب عدد العمال، من وسائل الإسعاف الأولية، إلى الطبيب والممرض والأدوية والتحاليل والصور الشعاعية، وصولاً إلى العلاج المتخصص والعمليات الجراحية ونفقات المستشفى، كما أحال إلى قرار وزاري تحديد طرق وأوضاع تحمل نفقات العلاج والأدوية والإقامة، وتؤكد هذه الأحكام أن صحة العامل ليست مسؤولية شخصية تقع على عاتقه وحده، وإنما التزام قانوني يقع على المنشأة وصاحب العمل.
لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تبقى هذه الحقوق حبيسة النصوص، فالكثير من أصحاب العمل يتعاملون مع الالتزامات الصحية باعتبارها كلفة إضافية ينبغي تجنبها أو تقليلها، مستفيدين من ضعف الرقابة، ومن غياب المتابعة الجدية لتطبيق أحكام قانون العمل والقرارات التنفيذية، وفي مقدمتها القرار رقم 18 لعام 2010 المتعلق بالعناية الطبية بالعمال، وعندما لا يكون هناك تفتيش فعلي ومنتظم، ولا مساءلة عند المخالفة، يصبح النص القانوني عاجزاً عن حماية العامل، مهما بدا واضحاً وقوياً.
إن عدم إلزام أصحاب العمل بتطبيق القرار لا يعني فقط مخالفة إدارية، أو تقصيراً شكلياً، بل يعني ترك العامل أمام المرض والإصابة وتكاليف العلاج، في الوقت الذي يكون فيه دخله عاجزاً أصلاً عن تأمين حاجاته الأساسية، والأسوأ، أن العامل غالباً ما يتردد في المطالبة بحقه خوفاً من فقدان عمله، ولا سيما في ظل البطالة واتساع هشاشة سوق العمل. وهكذا يتحول الحق الذي قرره القانون إلى امتياز مشروط بقدرة العامل على مواجهة صاحب العمل، بينما يفترض بقانون العمل أن يحمي الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
وتتحمل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مسؤولية أساسية في هذا المجال، فوظيفتها لا تقتصر على إصدار النصوص والقرارات، وإنما تمتد إلى مراقبة تنفيذها، وإجراء التفتيش على المنشآت، والتحقق من وجود وسائل الإسعاف والرعاية الطبية، ومراجعة مدى التزام أصحاب العمل بالإنفاق على علاج العمال، ضمن الحدود التي رسمها القانون والقرار النافذ، وفرض الجزاء عند ثبوت المخالفة، إن تراخي أجهزة الرقابة يفرغ الحماية التشريعية من مضمونها، ويمنح المخالفين شعوراً بأن مخالفة حقوق العمال يمكن أن تمر بلا نتائج.
والأخطر، أن التهاون في العناية الطبية يضرب جوهر السلامة والصحة المهنية، فالعامل ليس آلة إنتاج، وصحته ليست بنداً يمكن حذفه من حسابات الربح، إن توفير العلاج والوقاية يحمي العامل وأسرته، ويحد من تفاقم الإصابات والأمراض المهنية، ويعزز استقرار المنشأة والإنتاج في آن واحد.
لذلك، إن المطلوب ليس إعادة ترديد النصوص، بل تفعيلها، يجب أن تتحول العناية الطبية إلى معيار رقابي إلزامي، وأن تخضع المنشآت لتفتيش دوري، وأن تسجل المخالفات وتفرض الجزاءات بجدية، وأن يتمكن العامل ونقابته من الإبلاغ عن عدم توفير الرعاية دون خوف من الانتقام. فالقانون الذي لا تراقب الدولة تطبيقه يصبح وعداً مؤجلاً، بينما العامل يحتاج إلى حق قابل للتنفيذ، لا إلى نص جميل محفوظ في صفحات التشريع.
كما ينبغي نشر نتائج التفتيش، وإتاحة آليات شكوى فعالة وسريعة، وإشراك التنظيم النقابي في الرقابة، لأن حماية صحة العامل مسؤولية لا يجوز تركها لتقدير صاحب العمل أو حسن نيته، ولا يجوز أن يدفع العامل ثمن تقاعس الجهات.