العامل السوري الجديد: من عاملٍ مستقر إلى قوة عملٍ تبحث عن البقاء!
لم يعد العامل السوري اليوم هو نفسه العامل الذي عرفه سوق العمل قبل سنوات، فقد غيّرت الأزمة الاقتصادية الطويلة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وانتشار العمل غير المنظم، والهجرة، شكل الطبقة العاملة السورية، وعلاقتها بالعمل وبصاحب العمل وبالمستقبل.
نحن أمام «عامل سوري جديد»؛ عامل يعمل أكثر، ويقبل بشروط أصعب، ويبحث قبل كل شيء عن تأمين دخله واستمراره، بعد أن أصبح الاستقرار الوظيفي والأجر الكافي من الأمور التي يصعب ضمانها، ولعل أخطر ما يميز هذا العامل الجديد، أن العمل لم يعد بالضرورة طريقاً للخروج من الفقر، فبحسب مركز السياسات والبحوث السوري، بلغ متوسط الأجر الشهري للعامل في القطاع الخاص نحو 1.25 مليون ليرة سورية في آذار 2026، في حين وصل خط الفقر المدقع للأسرة إلى نحو 3.20 ملايين ليرة، وخط الفقر الأعلى إلى 6.95 ملايين ليرة. وهذا يكشف عن فجوة هائلة بين الدخل وكلفة المعيشة.
زيادات اسميه
صحيح أن عام 2026 شهد زيادات كبيرة في الأجور والحد الأدنى للأجور، فقد رفع المرسوم رقم 67 لعام 2026 الحد الأدنى العام للأجور، وأجور المهن إلى 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً، كما جاءت زيادات أخرى ضمن مسار إصلاح منظومة الرواتب والأجور، لكن المشكلة لا تنتهي بمجرد رفع الرقم المكتوب على قسيمة الراتب؛ فالمعيار الحقيقي للأجر هو ما يستطيع العامل شراءه بهذا الأجر.
عامل يعمل أكثر ويحصل على أقل
في سوق العمل السوري الجديد، لم تعد ساعات العمل الطويلة ظاهرة استثنائية، فثمة عمال يعملون عشر ساعات، أو اثنتي عشرة ساعة يومياً، بينما لا يتناسب ما يحصلون عليه مع الجهد المبذول، أو مع مسؤولياتهم الأسرية. وقد أظهرت تقارير حديثة من سوق العمل في ريف دمشق، أن أجور بعض العمال تتراوح بصورة واسعة بحسب المهنة والخبرة، في حين تصل ساعات العمل في بعض الورش والمنشآت إلى 12 ساعة يومياً. والأهم، أن تكلفة معيشة العامل ومسؤوليته عن أسرة لا تدخل غالباً في حساب الأجر الذي يعرضه صاحب العمل.
هنا تظهر إحدى
أهم سمات «العامل الجديد»
اضطرار العامل إلى بيع المزيد من وقته حتى يحافظ على المستوى نفسه من المعيشة، فالعامل الذي كان يستطيع إعالة أسرته من وظيفة واحدة، قد يجد نفسه اليوم مضطراً إلى العمل الإضافي، أو الجمع بين وظيفتين، أو العمل في أيام العطل، أو ممارسة عمل جانبي بعد انتهاء دوامه، وبذلك لا تصبح المشكلة مجرد انخفاض الأجر، وإنما تتحول إلى استنزاف للوقت والطاقة والحياة الاجتماعية والأسرية للعامل.
العامل بين الحاجة وحرية التفاوض
من الناحية النظرية، يستطيع العامل أن يرفض أجراً لا يناسبه، وأن يبحث عن صاحب عمل آخر. لكن هذه الحرية تصبح محدودة للغاية عندما يكون العامل بحاجة ماسة إلى الدخل، وعندما تكون فرص العمل قليلة أو غير مستقرة.
هنا يتغير ميزان القوة داخل علاقة العمل
صاحب العمل يستطيع في كثير من الحالات أن يقول: «هناك عشرات الأشخاص المستعدين للعمل بهذا الأجر»، بينما لا يستطيع العامل بسهولة أن يقول: «هناك عشرات أصحاب العمل المستعدين لتوظيفي». ومن هنا تصبح الحاجة الاقتصادية نفسها عاملاً يؤثر في قدرة العامل على التفاوض، وهذه إحدى المشكلات الأساسية في سوق العمل السوري: ليست كل علاقة عمل قائمة على تفاوض متكافئ بين طرفين متساويين في القوة.
وتزداد المشكلة في الاقتصاد غير المنظم، حيث قد يعمل العامل من دون عقد مكتوب، أو ضمان اجتماعي واضح، أو حماية كافية من التسريح، فيصبح مستقبله مرتبطاً بقرار صاحب العمل أكثر مما يرتبط بحقوق قانونية قابلة للتطبيق.
من العامل الدائم إلى العامل الهش...
كان الاستقرار الوظيفي أحد أهم عناصر الحياة العمالية التقليدية، أما اليوم، فقد أصبح عدد متزايد من العمال يعيشون حالة من عدم اليقين:
هل سيستمر العمل الشهر القادم؟ هل سيُدفع الأجر كاملاً؟ هل سيرتفع الأجر إذا ارتفعت الأسعار؟ هل سيحصل العامل على تعويض عندما تنتهي علاقته بالعمل؟
وهذا ما يمكن تسميته العمل الهش: أن يكون الإنسان عاملاً بالفعل، لكنه لا يمتلك الضمانات التي تجعل العمل مصدراً للاستقرار.
وتكشف بيانات منشورة عن سوق العمل الرسمي في النصف الأول من عام 2026 عن مشكلة أخرى لافتة؛ إذ إن أقل من 1% من فرص العمل المنشورة على إحدى منصات التوظيف الرسمية أعلنت عن الراتب، ما يعني أن غياب الشفافية في الأجور أصبح مشكلة قائمة بذاتها، فالراتب ليس تفصيلاً ثانوياً ينبغي أن يعرفه العامل بعد المقابلة، أو بعد بدء العمل، معرفة الأجر جزء من حق العامل في معرفة شروط بيع قوة عمله.
العامل الماهر أيضاً في مأزق!
لا تقتصر المشكلة على العامل غير الماهر، فالعامل الفني وصاحب الخبرة والمهارة يواجهان معضلة مختلفة: سنوات طويلة من اكتساب الخبرة قد لا تتحول إلى دخل يتناسب مع هذه الخبرة، ولهذا أصبح سوق العمل السوري أمام خطرين متناقضين: فمن جهة، هناك عمال مهرة لا يحصلون على المقابل الذي يستحقونه، ومن جهة أخرى، هناك أصحاب عمل يبحثون عن المهارات التي يحتاجون إليها ولا يجدونها بسهولة، وتزداد خطورة المسألة مع هجرة أصحاب الخبرات والكفاءات، لأن خسارة العامل الماهر لا تعني خسارة فرد واحد فقط، بل تعني خسارة سنوات من التدريب والخبرة والإنتاجية.
العامل الجديد يحتاج إلى سياسة جديدة
لا يمكن معالجة أزمة الطبقة العاملة بمجرد زيادة الرواتب، رغم أهمية الزيادة. فالزيادة تصبح محدودة الأثر إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، وإذا بقي كلّ من السكن والنقل والطاقة والغذاء يستنزفون الجزء الأكبر من دخل الأسرة.
ولهذا، إن حماية العامل تحتاج إلى منظومة متكاملة، تشمل:
أجراً عادلاً، وضبطاً فعلياً لسوق العمل، وتطبيقاً لقانون العمل، وتأميناً اجتماعياً فعالاً، ورقابة على ساعات العمل، وتعويضاً عادلاً عن العمل الإضافي، وحماية من التسريح التعسفي، وحقاً فعلياً في التنظيم النقابي والمفاوضة الجماعية، كما يجب أن يصبح تحديد الأجور مرتبطاً بمؤشرات واضحة لتكاليف المعيشة، لا بمجرد قرارات دورية منفصلة عن حركة الأسعار.
من «عامل البقاء» إلى «عامل المستقبل»
أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع السوري، هو أن يتحول العامل إلى مجرد شخص يحاول البقاء حتى نهاية الشهر، فالعامل ليس رقماً في جدول الرواتب، وليس تكلفة إنتاج ينبغي تخفيضها إلى أدنى حد. إنه الإنسان الذي ينتج السلع، ويبني المنشآت، ويزرع الأرض، ويقود وسائل النقل، ويشغل المصانع والورش والمؤسسات والخدمات.
ومن هنا، إن إعادة بناء سورية لا يمكن أن تكون مجرد إعادة بناء للبنية التحتية ورأس المال؛ بل يجب أن تكون أيضاً إعادة بناء لمكانة العامل داخل الاقتصاد.
العامل السوري الجديد لا يريد صدقةً ولا امتيازاً. إنه يريد أن يحصل من عمله على ما يسمح له بأن يعيش بكرامة، وأن يربي أسرته، وأن يخطط للمستقبل، وأن يعرف حقوقه، وأن يمتلك القدرة للدفاع عنها، فالاقتصاد الذي يحتاج إلى عامل يعمل اثنتي عشرة ساعة لكي يعيش، ثم يطالبه بالمزيد من الإنتاجية، هو اقتصاد يستهلك الإنسان قبل أن يحقق التنمية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: كم يبلغ راتب العامل السوري؟ بل: هل يستطيع العامل أن يعيش بكرامة من أجر عمله؟
وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإن مهمة إصلاح سوق العمل لم تبدأ بعد.