للمرة الثانية خلال أسابيع، يعود أهالي حي جوبر الدمشقي إلى قطع طريق المتحلق الجنوبي، في مشهد احتجاجي يعكس حجم الغضب والإحباط المتراكمين جرّاء استمرار تعطيل ملف إعادة إعمار الحي، وغياب أي خطوات جدية تضع حداً لسنوات طويلة من التهجير والحرمان من العودة إلى المنازل والممتلكات.
وشهد اليوم الجمعة، 6 تشرين الثاني 2026، مشاركة العشرات من أبناء جوبر في احتجاج جديد قطعوا خلاله المتحلق الجنوبي، مطالبين بتسريع إعادة الإعمار، وتوضيح مصير عقاراتهم، وضمان حقوقهم في منازلهم وأراضيهم، بعد أن طال انتظارهم دون حلول عملية أو جدول زمني واضح ينهي حالة التعليق التي يعيشونها.
ولم يكن هذا التحرك الأول من نوعه؛ ففي 23 تشرين الأول الماضي، قطع عشرات من أهالي الحي الطريق ذاته خلال مظاهرة احتجاجية رفضاً للطروحات الاستثمارية المتعلقة بإعادة الإعمار، وسط مخاوف من أن تأتي المشاريع المقترحة على حساب حقوق المالكين وحصصهم العقارية. كما شهد الحي في 30 تشرين الأول وقفة احتجاجية للمطالبة بإعادة الإعمار وإنصاف المهجرين وضمان حقهم في استعادة ممتلكاتهم.
إن تكرار هذه الاحتجاجات، والعودة إلى الشارع وقطع الطريق ذاته، لا يمكن التعامل معه باعتباره تحركات عابرة أو مجرد تعبير عن استياء مؤقت، بل هو مؤشر واضح على اتساع فجوة الثقة بين أهالي جوبر والجهات المسؤولة عن إدارة ملف إعادة الإعمار. فبعد كل هذه السنوات، لا يزال السكان أمام وعود واجتماعات ومقترحات استثمارية ومخططات لم تتحول إلى واقع ملموس، فيما تبقى منازلهم المدمرة وحقوقهم المعلقة شاهداً على عجز المعالجات القائمة عن تقديم إجابات مقنعة.
والأكثر إثارة للقلق أن يتحول ملف إعادة الإعمار من مسار يفترض أن ينصف المتضررين ويعيد إليهم حقوقهم وحياتهم، إلى قضية تثير مخاوفهم من خسارة ما تبقى لهم من ملكيات، في ظل غموض الطروحات الاستثمارية وآليات توزيع الحصص والتعويضات. فليس من المقبول أن يجد أصحاب الأرض أنفسهم مضطرين للاحتجاج كي يحصلوا على معلومات واضحة بشأن مستقبل أملاكهم، أو أن يشعروا بأن عليهم خوض معركة جديدة للدفاع عن حقوق يفترض أن تكون مصونة أصلاً.
إن مطالب أهالي جوبر ليست امتيازات استثنائية، ولا شروطاً تعجيزية تعرقل إعادة الإعمار، بل هي حقوق مشروعة وأساسية؛ العودة إلى منازلهم، واستعادة ممتلكاتهم، وضمان عدم الانتقاص من حقوقهم العقارية، والمشاركة الفعلية في القرارات التي تحدد مستقبل حيهم. كما أن من حقهم الاطلاع على تفاصيل المشاريع والعقود الاستثمارية والمخططات المقترحة، ومناقشتها بشفافية بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع.
ولا يمكن الحديث عن إعادة إعمار حقيقية إذا كان أصحاب الحي غائبين عن القرار، أو إذا كانت المشاريع المطروحة لا تبدد مخاوفهم ولا توفر ضمانات كافية لهم. فالإعمار ليس مجرد أبنية وشوارع وأبراج استثمارية، بل هو قبل كل شيء إعادة اعتبار للإنسان الذي هُجر وخسر منزله وسنوات من حياته.
إن استمرار تجاهل هذه المطالب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والاحتجاجات. وعلى محافظة دمشق والجهات المعنية أن تدرك أن أزمة جوبر لم تعد أزمة مخططات وتمويل فحسب، بل أصبحت أزمة ثقة وحقوق وغياب ضمانات.
جوبر لا تطالب بامتيازات، بل بحقها في العودة. وأهلها ليسوا عقبة أمام إعادة إعمارها، بل هم أصحاب الحق الأول فيها. ومن غير المقبول أن يبقى المتحلق الجنوبي شاهداً على احتجاجاتهم المتكررة، فيما تبقى أبواب منازلهم مغلقة وحقوقهم معلقة.