Skip to main content

الغابات السورية... ضحية جشع تجار الحطب وعجز الرقابة

 |  قاسيون  |  محليات

مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع أسعار الطاقة والمحروقات، تتصاعد الاعتداءات على الغابات والأحراج السورية، وتتكاثر مشاهد قطع الأشجار ونقل الحطب من المناطق الحراجية، في ظاهرة لم تعد مجرد ممارسات فردية عابرة، بل تحولت في كثير من المواقع إلى نشاط تجاري استغلالي يستهدف تحقيق الأرباح على حساب ما تبقى من الثروة الحراجية.

ومن الضروري هنا وضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فليس كل ما يجري من احتطاب يمكن تبريره بالحاجة إلى التدفئة، ولا يجوز اختزال الظاهرة بمعاناة الأسر التي تبحث عن وسيلة لمواجهة برد الشتاء. فغالبية عمليات القطع الواسعة والمنظمة لا تستهدف تأمين احتياجات منزلية محدودة، وإنما تقف وراءها مصالح تجارية تسعى إلى استثمار ارتفاع الطلب على الحطب وغلاء المحروقات لتحقيق مكاسب مادية سريعة. والأخطر أن هذه الأنشطة تستغل حاجة الناس إلى الدفء لتوسيع سوق الحطب وتبرير استنزاف الغابات، وكأن معاناة المواطنين أصبحت فرصة استثمارية لتجار الأخشاب والمعتدين على الأحراج.
إننا أمام اعتداء مزدوج؛ اعتداء على الثروة الحراجية من جهة، واستغلال للأزمة المعيشية وحاجة الناس من جهة أخرى. ولا يمكن القبول بأي تبرير لقطع الأشجار الحية أو تحويل الغابات إلى مستودعات مفتوحة للأرباح غير المشروعة، أياً كانت الذرائع والظروف.
لكن المسؤولية لا تقع على المعتدين وحدهم؛ فالجهات المعنية بالحراج والبيئة والسلطات المحلية تتحمل مسؤولية مباشرة عن حماية هذه الثروة، ومراقبة المواقع الحراجية، ومنع نقل الأخشاب المقطوعة بصورة غير قانونية، وملاحقة المتورطين في عمليات القطع والتخزين والاتجار، لا الاكتفاء بتنظيم الضبوط ومصادرة كميات من الحطب بعد وقوع الضرر. كما أن استمرار الاعتداءات في المواقع المعروفة يطرح تساؤلات جدية حول فاعلية الرقابة ومستوى الاستجابة لشكاوى الأهالي.
إن حماية الغابات لا تتحقق بالبيانات والتصريحات وحملات التشجير الموسمية، بل بوجود رقابة فعلية ومحاسبة حقيقية وإجراءات رادعة تطال جميع المتورطين دون استثناء. وفي المقابل، لا بد من تأمين بدائل تدفئة ميسورة للأسر حتى لا تتحول الأزمة الطاقية إلى ضغط إضافي على الموارد الطبيعية.
الغابات ليست ملكاً لتجار الحطب، وليست ثروة مباحة لمن يريد تحقيق الأرباح على حساب البيئة والمجتمع. ومن واجب الجهات المعنية أن تتحرك الآن، قبل أن يأتي الشتاء القادم ولا يبقى في أحراجنا ما يمكن حمايته.