إلى جانب خسارة محصول الموسم، يخسر المزارع بنيته الإنتاجية التي يصعب تعويضها. فالخسائر المباشرة للسيول – التي تصل عند بعض المزارعين إلى نحو 1000 دولار للمحصول الواحد – تتراكم فوق تكاليف إنتاج صاعدة باستمرار: كيس الأسمدة بحدود 70 دولاراً، ومبيدات تجاوزت أسعارها نسبة 100%. والنتيجة الحتمية هو تحول الزراعة إلى مقامرة خاسرة يدفع ثمنها صغار المزارعين أولاً، بدل كونها مشروعاً اقتصادياً قابلاً للتخطيط.
ولا يوجد حتى اللحظة، إحصاء رسمي حول الأراضي والمحاصيل المتضررة جرّاء السيول، ولكن أفاد مزارعون في قرية الكبر بدير الزور بخسارة مواسم الفصة الصفراء والشعير والسمسم. وبحسب مدير الزراعة في الرقة محمد الأحمد، فإن 80% من المحاصيل المتضررة في المنصورة بريف الرقة هي محاصيل صيفية؛ حيث تضرر 1500 دونم من الذرة الصفراء، و800 دونم من القطن، بالإضافة إلى محاصيل الخضار، ودمار كامل للبيوت البلاستيكية. هذا عدا عن تضرر جزئي لحق بمنظومات الطاقة وخزانات المازوت.
أما استجابة الحكومة والتعويضات فقد باتت مصدر قلق للمزارعين. وقد أقرَّ صندوق التخفيف من آثار الجفاف والكوارث تعويضات قدرها 211 مليون ليرة (1.45 مليون دولار) لصالح 8,289 مزارعاً تضررت أراضيهم خلال أشهر آذار ونيسان وأيار؛ أي ما يعادل تقريباً 180 دولاراً للمزارع الواحد. وهذا المبلغ لا يغطي كلفة جزء بسيط من دورة إنتاجية واحدة، فضلاً عن إعادة تأهيل ما تلف.
فآلية التعويض تعمل بمنطق الشرائح وفقاً لنسبة الضرر، وهذا لا يعكس بالضرورة حجم الخسارة الفعلية ولا قدرة المزارع على استئناف الإنتاج. ورغم أن الوزارة قد بشّرت في السابق بالانتقال من الاستجابة الإسعافية إلى نهج استباقي ووقائي، لكن السيول كشفت أن ترجمتها العملية لم تكن على مستوى التحدي.
إن ما ابتلعته السيول فعلاً وقبلها الفيضان، وقبلهما الحرب، هو نموذج إنتاج أثبت هشاشته أمام أول صدمة مناخية كبرى. وما من عودة لإنتاج مستدام من دون استثمار جاد في البنى التحتية، وتقديم دعم وتعويضات حقيقية للمزارعين، عوض الدوران في فلك التحركات الإسعافية بعد كل كارثة.