مع حلول الشتاء، وبكل ما يحمله من قسوة وبرد، تعود إلى الأرصفة والحدائق العامة تفاصيل واقع يومي مؤلم يعجز المرء عن تجاهله، بعد أن تحولت معاناة العائلات والأطفال بلا مأوى إلى مشهد مألوف. وفي دمشق وريفها، يواجه عشرات الأشخاص مصيرهم في العراء، بين فئات غيّب الدمار منازلهم، وأخرى عجزت تماماً عن مجاراة أجور سكن فلكية قد تتجاوز 200 دولار شهرياً.
وتبعاً للمعطيات والمؤشرات – التي تشير إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وتجاوز معدلات البطالة 60%، بينما لا يتمكن سوى 23% من سكان دمشق تحمل تكاليف السكن – يتبين أن التشرد ليس عَرضاً عابراً، بل بات الحصيلة الحتمية لمعادلة اقتصادية قاسية طرفاها أجر زهيد أو معدوم وإيجار باهظ. وخلف كل طفل وشاب يتخذ من الرصيف منزلاً، تقبع قصة مريرة من تفكك الأسر وفقدان المعيل، فضلاً عن تلاشي شبكات الأمان والحماية الاجتماعية.
ولا تزال الخطط والجهود الرسمية تصطدم بعقبة معالجة النتائج لا الأسباب الجوهرية؛ فهي تستقبل العائلات مؤقتاً لكنها تعجز عن ضبط سوق الإيجارات، أو خلق فرص العمل، أو إعادة إعمار مئات آلاف الوحدات السكنية المدمرة. وبالتالي تبقى محاولات سحب الطفل من الشارع بمعزل عن تحسين الوضع المعيشي لأسرته حلولاً ناقصة ستعيده إلى الرصيف عاجلاً أم آجلاً.
فقد تحول الشارع إلى البديل الوحيد لمن تقطعت بهم السبل، ولا سيما أن الضمان الاجتماعي غائب، وسوق العمل غير موجود. وحين تعمل مراكز الإيواء والحملات بعيداً عن سياسات كلية تشمل الإسكان والأجور والحماية الاجتماعية وإعادة الاعتبار للقطاعات الإنتاجية، فإنها تتحول إلى مجرد أدوات لإدارة الظاهرة بدلاً من القضاء عليها.