Skip to main content

الصحّة في إدلب رهينة للتمويل

 |  قاسيون  |  محليات

يشهد القطاع الصحي في إدلب تحولات جذرية ومقلقة، تتجاوز في أبعادها حدود الأزمة المالية المؤقتة لتطال جوهر البنية التحتية للرعاية الصحية. ويبرز ذلك جلياً في الانخفاض الحاد لعدد المستشفيات المدرجة في الخارطة الطبية في أرياف حلب وإدلب من 64 إلى 25 فقط.

إنَّ هذا التراجع الهائل يُعبر عن خضوع تام لمنطق التمويل المُتاح، ومع توقف هذا الدعم عن عدد كبير من المستشفيات، وتراجع التمويل الدولي بنسب تتراوح بين 30 و60%، بات المعيار الحقيقي لبقاء المنشأة الطبية مرهوناً بقدرتها على تأمين مصادر تمويل خارجية.
فالقطاع الصحي الذي نشأ في إدلب في إطار لاستجابة الإنسانية الممول من المنظمات، انتقل – مع تراجع التمويل – إلى ترشيد إداري قسري من دون بديل تمويلي وطني ومستدام. والنتيجة أن منشآت عاملة أضحت خارج الخارطة وكأنها لم توجَد، بينما تُقدَّم افتتاحات جديدة كمكاسب ملموسة ونوعية.
وفي الوقت الذي تُعلن فيه وزارة الصحة عن الاستراتيجية الصحية الوطنية (2026-2028) وتضع حجر الأساس لمشاريع تخصصية كبرى مثل مشفى سراقب التخصصي، يتزامن ذلك مع انهيار شبه تام في الحاضر الصحي اليومي؛ تمثل في توقف المشافي، واستقالة مسؤولين في الصحة، وتقليص الأقسام الإسعافية والحيوية، عدا عن الاحتجاجات المتكررة للكوادر الصحية.
وقد أفرزت المركزية في تخطيط الوزارة – التي تستهدف إنشاء مشفى لكل منطقة – لامركزية في المعاناة، إذ يقطع سكان الريف الجنوبي مسافة 65 كيلومتراً للوصول إلى غرفة عمليات من المُفترض أن تكون على بُعد دقائق.
ومع تراجع وانعدام الخدمات المجانية، يُدفع المرضى قسرياً نحو القطاع الخاص وأسعاره اللاهبة، في إعادة توزيع للعبء المالي من النظام العام إلى مجتمع أنهكته أصلاً ظروف الحرب. فتجد الأسر ذات الدخل المحدود نفسها مضطرة لبيع ما تبقى من ممتلكاتها، أو الاستدانة، أو تأجيل العلاج، ليتحول الحق في الصحة إلى سلعة تخضع لقانون العرض والطلب والقدرة المالية، فيما تكتفي المبادرات الخيرية بحلول ترقيعية محدودة.
والسبب الجوهري لهذا الوضع هو الاعتماد الكلي على المنظمات الدولية والمؤسسات المانحة، ما خلق تبعية هيكلية تفتقر إلى أي احتياطي مالي وطني عند انقطاع الدعم. بينما تجنح السياسات الرسمية نحو تصدير نجاحات شكلية، وإخفاء حقيقة تراجع الخدمات الأساسية، التي جعلت الوصول إلى العلاج مرهوناً بالقدرة المادية.
ما يعيشه القطاع الصحي في إدلب هو إعادة هيكلة عميقة تخضع لمنطق السوق، فكلما تعمّق الاعتماد على التمويل الخارجي ازدادت هشاشة القطاع، ومنها تزايد التحول إلى القطاع الخاص، وتحولت الرعاية الطبية إلى امتياز طبقي.