فأفرز الانهيار الكبير في قطاع الكهرباء واقعاً استثنائياً، تحولت فيه السلع المرتبطة بتأمين الحد الأدنى من الطاقة من مجرد خيارات استهلاكية إلى طلب اضطراري، لا يملك معه المواطن خيار الامتناع عن الشراء، بغض النظر عن تضخم الأسعار وفداحة التكاليف.
وبالرغم من أنّ لوح الطاقة الشمسية (705 واط) انخفض من نحو 250 إلى قرابة 100 دولار، وهبط سعر بطارية الليثيوم (2.5 كيلوواط/ساعة) من 550 إلى ما بين 375 و450 دولار، إلا أن المواطن لم يلمس أي انعكاس إيجابي لتراجع الأسعار، نظراً لانهيار القدرة الشرائية لليرة، واحتفاظ التجار بهوامش ربح مرتفعة والامتناع عن تمرير انخفاض التكلفة الدولارية للمستهلك.
وتتراوح أسعار البطاريات الأنبوبية الهندية (150-200 أمبير) بين 170 و250 دولار، بينما تسجل البطاريات السائلة والجل (55-60 أمبير) أسعاراً تتراوح بين 35 و90 دولار بحسب الجودة والمنشأ.
وهذه الأسعار تعكس التفاوت في قدرة المستهلكين؛ فالأسرة المقتدرة قادرة على الاستثمار في بطاريات الليثيوم طويلة الأجل وعالية الكفاءة، بينما يجد الفقير نفسه مجبراً على شراء أنواع رخيصة وقصيرة العمر، ليدفع في النهاية كلفة أعلى على المدى المتوسط والبعيد نتيجة التبديل المتكرر.
وتكمن الأزمة الأم في بنية قطاع الكهرباء؛ فالتقنين القاسي عاد ليرفع حجم الطلب، ولا سيما مع اقتراب الشتاء. وتتضافر مع هذه الظروف عوامل ككلف الاستيراد والنقل، وتقلبات سعر الصرف، وضعف الرقابة. فضلاً عن هوامش ربح فاحشة لقلّة من المستوردين والمحتكرين.
فصحيح أن السوق شهد انفتاحاً نسبياً في مسارات الإمداد، وانخفضت الكلفة بالدولار لكل من الألواح الشمسية والبطاريات، لكنه شهد أيضاً (انفتاحاً) في مسارب التهريب وصعوداً لشبكات احتكار جديدة.
فيما لم يؤدِّ كسر الاحتكار القديم إلى تحرير السوق لصالح المستهلك، بل أسفر عن إعادة تشكيله في قالب يُدار عبر اتفاقيات غير معلنة، واحتكار للمعرفة التقنية، وشروط الكفالة.
ورغم الحاجة للبطاريات لتخفيف جزء من المعاناة اليومية، لكنها في المقابل ترسخ الاعتماد على سوق غير منظم، وتُعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي، وتُخفي الحجم الحقيقي لأزمة قطاع الكهرباء، الذي ومن دون تغييره جذرياً، سيظل المواطن محاصراً في حلقة مفرغة؛ غياب الكهرباء يُحتّم شراء البطارية بأسعار مرتفعة وجودة متدنية، يعقبها تلف سريع واستبدال دوري، وصولاً إلى مستويات أعمق من الفقر والاستنزاف.