كشف رئيس اللجنة الدستورية والتشريعية في مجلس الشعب، عبد الناصر حوشان، أن الفجوة في السلك القضائي تبلغ نحو 7500 قاضٍ لتغطية الاحتياج الفعلي للمحاكم. وهو رقم كبير يضع المؤسسة القضائية أمام اختبار عملي: هل المطلوب ملء شواغر فقط، أم إعادة بناء قدرة المحاكم على أداء وظيفتها اليومية خدمةً للناس؟
لا يتعلق الأمر بالعدد وحده؛ إنما في تراكم اختلالات إدارية ومالية وتنظيمية تاريخية، جعلت المحاكم تعمل بأقل من طاقتها، وأضعفت ثقة المتقاضين، ودفعت جزءاً من الناس للبحث عن حلول بديلة.
والمشكلة لا تُحل بدفعة تعيين واحدة؛ لأن بطء الإجراءات وتكدس القضايا ونقص الكوادر يجعل القاضي الواحد أمام أعمال تفوق طاقته، فتطول مدة التقاضي وتتراجع جودة القرار. كما أن فقدان الثقة التاريخي في المحاكم لم يكن سببه العدد فقط، بل الغموض في المعايير، وضعف الشفافية، والمحسوبيات والفساد.
والأهم أن نقص القضاة يظهر في حياة الناس قبل أن يظهر في أروقة المحاكم؛ من تأخر قضايا مثل الملكية والأحوال الشخصية والعمالية، إلى تراكم الملفات، وطول الانتظار، وارتفاع كلفة المتابعة.
وقد لعبت مجالس الصلح الأهلي، نتيجة لهذه الفجوات، دوراً في تهدئة بعض النزاعات، لكنها لا تصدر أحكاماً مُلزمة ولا تُنشئ حقوقاً قابلة للتنفيذ. وبالتالي تبقى هذه المجالس باباً للوساطة لا بديلاً عن المحاكم.
ولذا فإن استراتيجية الحل تتطلب مسارات متوازية؛ توسيع التعيينات على المدى القصير استناداً إلى الحاجة، ورفع الرواتب والمزايا الوظيفية. وعلى المدى المتوسط، تحديث المعهد العالي للقضاء، وتفعيل الرقمنة الإدارية وتخفيف الأعباء البيروقراطية. أما على المدى الطويل، فيبرز الاحتياج لإطار حوكمة قضائية شفاف ومستقل يحمي القرار القضائي ويصون هيبة القانون.
فالرقم 7500 هو مؤشر على أزمة هيكلية تتطلب معالجة شاملة تجمع بين الكوادر الكفؤة، والتشريعات، والشفافية المجتمعية، واستقلالية القضاء، لتستعيد المحاكم مكانتها كحصن أساسي للعدالة والمواطنة.