Skip to main content

المشاريع الصغيرة انتاج محاصر ومنافسة غير عادلة

 |  قاسيون  |  محليات

تشكل المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر أحد الأعمدة الأساسية لأي اقتصاد يسعى إلى التعافي والنهوض، لما تؤديه من دور في توفير فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج المحلي، وتحسين دخل الأسر، والحد من الفقر والبطالة. وتكتسب هذه المشاريع أهمية مضاعفة في سورية، في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية الراهنة، إلا أن واقعها يكشف عن فجوة واسعة بين أهميتها المعلنة وما تواجهه فعلياً من صعوبات ومعيقات تهدد استمرارها وتحد من قدرتها على النمو.

تبدأ المشكلة من التمويل، حيث يعاني أصحاب هذه المشاريع صعوبة الحصول على قروض ميسرة تتناسب مع إمكاناتهم المحدودة، في ظل ارتفاع تكاليف التأسيس والتشغيل وضعف القدرة على توفير الضمانات المطلوبة. وتزداد المعاناة مع الارتفاع المستمر في أسعار المواد الأولية والطاقة والنقل والإيجارات، فضلاً عن صعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج وقطع الغيار. وفي ظل ضعف القدرة الشرائية وتراجع الطلب، يجد أصحاب المشاريع أنفسهم محاصرين بين تكاليف متصاعدة وأسعار بيع لا يستطيعون رفعها دون خسارة زبائنهم، الأمر الذي يحول العمل والإنتاج في كثير من الحالات إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
لكن المعضلة الأكثر خطورة تتمثل في المنافسة غير المتكافئة مع المستوردات والسلع المهربة. فكيف يمكن لورشة محلية صغيرة، تتحمل تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل والرسوم والالتزامات القانونية، أن تنافس منتجات مستوردة أو مهربة تُطرح في الأسواق بأسعار منخفضة، بصرف النظر عن اختلاف ظروف إنتاجها أو مستوى الالتزام بالمتطلبات القانونية والضريبية؟ إن ترك المنتج المحلي في مواجهة هذه المنافسة دون حماية اقتصادية مدروسة، ودون ضبط فعال للمنافذ والأسواق ومكافحة التهريب، يعني عملياً تحميل المنتج المحلي أعباء لا يتحملها منافسوه، ثم مطالبته بالصمود والتطور في ظروف غير عادلة.
وهنا يبرز الدور الحكومي بوصفه مسؤولية اقتصادية مباشرة، لا مجرد شعارات عن دعم الإنتاج وتشجيع المبادرات الفردية. فليس من المنطقي أن تُطالب الحكومة أصحاب المشاريع بالإنتاج والتشغيل، بينما تبقى تكاليف الطاقة والنقل والتمويل مرتفعة، والإجراءات الإدارية مرهقة، والتسهيلات محدودة، والأسواق مفتوحة أمام منافسة غير منضبطة. إن دعم هذه المشاريع لا يتحقق بإطلاق المبادرات الإعلامية أو تقديم مساعدات محدودة ومتقطعة، بل بسياسات عملية تشمل تخفيض تكاليف الإنتاج، وتوفير التمويل الميسر، وتبسيط إجراءات الترخيص والتسجيل، وتقديم حوافز ضريبية مدروسة، وتأمين مستلزمات الإنتاج، وتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية.
كما أن حماية المنتج المحلي لا تعني إغلاق الأسواق أو منع الاستيراد بصورة عشوائية، بل تتطلب سياسة تجارية متوازنة تحقق المنافسة العادلة، وتكافح التهريب والتهرب الجمركي، وتمنع الإغراق والممارسات الضارة بالإنتاج الوطني، مع مراعاة مصالح المستهلكين وقدرتهم الشرائية. فالمطلوب ليس حماية منتجات ضعيفة الكفاءة إلى الأبد، وإنما منح المنتج المحلي فرصة عادلة للتطور والمنافسة.
إن استمرار تجاهل هذه المعيقات يهدد بتحويل المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر من أداة للتشغيل والتعافي الاقتصادي إلى مشاريع متعثرة تستنزف مدخرات أصحابها، أو تضطرهم إلى الإغلاق والعمل ضمن الاقتصاد غير المنظم. فلا يمكن الحديث بجدّية عن التعافي الاقتصادي بينما يُترك المنتج المحلي وحيداً في مواجهة ارتفاع التكاليف والمنافسة غير العادلة. والمطلوب اليوم انتقال حكومي واضح من الوعود إلى التنفيذ، ومن الإجراءات الشكلية إلى الدعم الملموس، لأن إنقاذ هذه المشاريع ليس امتيازاً يُمنح لأصحابها، بل استثمار في فرص العمل والإنتاج والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في سورية.