لم يكن السوريون ينتظرون من وزارة التربية، بعد عقود من إخضاع التعليم لسلطة السياسة والأيديولوجيا، أن يتحول النقاش حول المناهج الجديدة إلى سجال حول تعديلات جزئية ومضامين مثيرة للجدل، بل كانوا ينتظرون مشروعاً وطنياً شاملاً يعيد بناء التعليم على أسس علمية وتربوية حديثة، ويحرر المدرسة من إرث التلقين والتعبئة الفكرية وتقديس السلطة.
إن جوهر الاعتراض على التعديلات الأخيرة لا يتعلق بتغيير المناهج بحد ذاته، فالمراجعة والتطوير ضرورة مستمرة في كل نظام تعليمي، وإنما يتعلق بالمرجعية الفكرية والتربوية التي تحكم هذا التغيير، وبغياب الوضوح والشفافية والمشاركة المجتمعية في صياغته.
أما رد وزارة التربية، الذي ركز على إزالة رموز النظام السابق ومضامينه الأيديولوجية، فلا يكفي للإجابة عن التساؤلات المطروحة. فالتخلص من إرث تمجيد السلطة السابقة خطوة ضرورية، لكنه لا يمثل إصلاحاً تربوياً متكاملاً، ولا يمنح الوزارة حق إعادة تشكيل وعي الأجيال وفق رؤية أحادية جديدة. والمشكلة ليست في تغيير أسماء وصور ورموز، بل في تغيير العقلية التي جعلت المدرسة أداة في خدمة السلطة بدلاً من أن تكون مؤسسة مستقلة لبناء الإنسان.
إن أي مشروع جدي لإصلاح المناهج السورية يجب أن يستند إلى مبادئ وطنية وتربوية واضحة:
- المواطنة والمساواة؛ ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفها أساس الانتماء الوطني، وضمان المساواة في الحقوق والواجبات، بعيداً عن الانتماءات الدينية والطائفية والقومية والمناطقية
- التعددية واحترام الاختلاف؛ الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والاجتماعي الذي يشكل حقيقة المجتمع السوري، وتقديمه باعتباره مصدر غنى وقوة، لا مشكلة ينبغي تجاوزها أو إخفاؤها.
- الحياد الأيديولوجي واستقلال المعرفة؛ تحرير المناهج من الوصاية السياسية والدينية والحزبية، وعدم إخضاع الحقائق العلمية والتاريخية لمصالح السلطة أو قناعات الجهات القائمة على صياغة الكتب.
- التفكير النقدي وحرية العقل: الانتقال من ثقافة الحفظ والتلقين إلى تعليم يقوم على التساؤل والتحليل والاستنتاج والحوار، وتربية أجيال قادرة على مناقشة الأفكار ونقدها، بما فيها الأفكار الرسمية والسائدة.
- الموضوعية والنزاهة التاريخية؛ تقديم التاريخ السوري والعربي والإنساني بأمانة علمية، بعيداً عن الانتقائية والتزوير والتقديس والتشويه، وعدم محو الوقائع أو الشخصيات لمجرد الاختلاف السياسي معها.
- حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون؛ تعريف الطلاب بمفاهيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية والمساءلة والمشاركة العامة، وبناء وعي يحترم القانون ويؤمن بأن السلطة مسؤولية وليست امتيازاً مطلقاً.
- استقلال التعليم عن السلطة السياسية؛ اعتبار المناهج شأناً وطنياً ومجتمعياً طويل الأمد، لا ملكاً لسلطة أو وزير أو تيار سياسي، بحيث لا تصبح الكتب المدرسية عرضة للتغيير مع كل تحول في موازين القوى.
- العلم والفنون والثقافة الإنسانية؛ ضمان حضور العلوم والفلسفة والآداب والفنون والتراث الحضاري الإنساني في المناهج، باعتبارها مكونات أساسية في تكوين الشخصية المتوازنة والمنفتحة.
هذه المبادئ لا يمكن تحقيقها بقرارات إدارية أو لجان مغلقة، وإنما تحتاج إلى هيئة وطنية مستقلة تضم خبراء التربية وعلماء الاجتماع والمؤرخين والاختصاصيين والجامعات وممثلين عن المعلمين والمجتمع، مع نشر التعديلات وإخضاعها لنقاش عام ومعايير علمية معلنة.
إن وزارة التربية مطالبة اليوم بأن تجيب عن سؤال يتجاوز حدود الكتب المدرسية: أي إنسان تريد أن تصنعه المدرسة السورية؟ مواطن حر يمتلك عقله وحقوقه وقدرته على الاختلاف، أم فرد يتلقى منظومة جاهزة من الأفكار والمعتقدات ويعيد إنتاجها دون نقاش؟
إن سورية لا تحتاج إلى استبدال أيديولوجيا بأخرى، ولا إلى استبدال تمجيد زعيم بتمجيد رؤية أحادية جديدة. إنها تحتاج إلى مدرسة تصنع مواطناً لا تابعاً، وعقلاً لا يهاب السؤال، وجيلاً يؤمن بأن الاختلاف حق، وأن الحرية مسؤولية، وأن المعرفة لا تخضع لوصاية أحد.
فالإصلاح الحقيقي للمناهج لا يبدأ من الممحاة، ولا ينتهي بتغيير الكتب؛ بل يبدأ بتحرير العقل من الخوف والتبعية، وبناء تعليم يكون ملكاً لجميع السوريين، لا أداة في يد أي سلطة.