Skip to main content

تراجع الليرة السورية... الفقراء يدفعون ثمن الأزمة

 |  قاسيون  |  محليات

لم يعد تراجع سعر صرف الليرة السورية مجرد مؤشر نقدي، بل أصبح وسيلة لاستنزاف القدرة الشرائية للسوريين، ولا سيما أصحاب الأجور الثابتة والفئات الأشد فقراً. فمنذ بداية عام 2026، ارتفع سعر الدولار من نحو 111,5 ليرة سورية جديدة إلى قرابة 142,5 ليرة في السوق الموازية أواخر تشرين الأول، بزيادة تقارب 28%. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع الدولار وحده، بل في انعكاساته على أسعار السلع والخدمات، وفي التوزيع غير العادل للأعباء الناتجة عنه.

أصحاب الأجور الثابتة هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فالموظف والمتقاعد الذي يتقاضى راتباً محدداً لا يستطيع تعديله مع كل ارتفاع في سعر الصرف، بينما ترتفع أسعار الغذاء والنقل والدواء والسكن بصورة متلاحقة. وهذا يعني أن الأزمة تجاوزت حدود تهديد القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يلجأ بعض التجار والمنتجين ومقدمي الخدمات إلى التسعير وفق سعر دولار تحوطي يتجاوز سعر السوق الموازية، تحسباً لانخفاض إضافي في قيمة الليرة. وبهذه الطريقة، لا يتحمل المستهلك الزيادة الفعلية في تكاليف الاستيراد والإنتاج فحسب، بل يتحمل أ مخاطر مستقبلية أيضاً قد لا تتحقق. وفي المقابل، لا تنخفض الأسعار بالسرعة نفسها عندما يتحسن سعر الصرف، فتترسخ خسارة المستهلك وتتآكل قدرته الشرائية باستمرار.
وفي الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف المعيشة، يتقلص الدعم وتزداد أعباء الخدمات، ما يضع الأسر محدودة الدخل أمام معادلة مستحيلة؛ دخل ثابت في مواجهة نفقات متصاعدة. وهنا تتجلى المشكلة بوصفها قضية عدالة اجتماعية، لا مجرد اضطراب نقدي. فالنتيجة العملية هي انتقال جزء متزايد من دخل الفقراء إلى الجهات التي تبيع لهم السلع والخدمات، بينما تتراجع قدرتهم على الادّخار والإنفاق على التعليم والصحة وسائر الضروريات.
بهذا المعنى، يتحول تراجع الليرة إلى شكل من إعادة توزيع الثروة على حساب الفئات الأضعف. فالأسر التي تعتمد على الرواتب والمدخرات بالليرة تفقد جزءاً من ثروتها الحقيقية، في حين يستطيع بعض أصحاب رؤوس الأموال والأصول والعملات الأجنبية حماية قيمة ممتلكاتهم بصورة أفضل. ولا يعني ذلك أن جميع التجار يربحون من الأزمة، لكن القدرة على تعديل الأسعار والتحوّط ليست متاحة بالتساوي للجميع.
أما الاقتصاد ككل، فيدفع ثمن هذه الدوامة. فتراجع القدرة الشرائية يخفض الطلب، ويضعف المبيعات والإنتاج، ويدفع بعض المنشآت إلى تقليص العمالة والاستثمار. ومع استمرار الاعتماد على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي، تتجدد الضغوط على سعر الصرف، فتتغذى الأزمة من نتائجها.
إن معالجة الوضع لا تكون بمراقبة سعر الدولار وحده، بل بحماية الأجور الحقيقية، ومراجعة سياسات الدعم، ومكافحة الاحتكار والتسعير الاستغلالي، وتعزيز الإنتاج والتشغيل. فالاستقرار النسبي بسعر الصرف الرسمي الذي يتحقق على حساب جوع الفقراء ليس استقراراً حقيقياً، بل استنزاف صامت للمجتمع وإعادة توزيع للثروة من جيوب أصحاب الدخل المحدود إلى من يملكون قدرة أكبر على حماية مصالحهم.