يقوم التبرير الرسمي لزيادة ساعات التقنين على ثلاثة عناصر؛ أعمال صيانة دورية وطارئة لمجموعات توليد، واستمرار خروج مجموعات عن الخدمة، وانخفاض كميات الغاز الأذربيجاني. لكن هذه الأسباب، وإن بدت طارئة، فهي تكشف عن قدرة توليد متراجعة، واعتماد خارجي على وقود متقلب.
علماً أن التقنين جاء بعد وعود بتحسين ساعات الوصل، وهي وعود استُخدمت لتبرير رفع التعرفة الكهربائية. فحين رُفعت الأسعار، قيل إن الهدف هو استدامة الخدمة وتحسين التغذية؛ وحين عاد التقنين، أصبحت الأسباب خارجة عن الإرادة!
وهذا يؤكد أن «التحسن» السابق لم يكن مستقراً أو مستداماً، لأنه ارتبط بتوفر الوقود المستورَد والترتيبات المؤقتة، لا بزيادة دائمة في القدرة الإنتاجية. لذلك، فإن أي صدمة، مثل انفجار خط الغاز المغذي لمحطة تشرين وخروج محطات دير علي، تعيد الوضع سريعاً إلى «طبيعته» القديمة: تقنين يتحمل وزره الفقراء أولاً.
والحقيقة أن أزمة الكهرباء لم تكن يوماً أزمة غاز أو صيانة فقط؛ إنها أزمة إدارة قطاع عام تحول تدريجياً من خدمة اجتماعية إلى سلعة. إنشاء شركة قابضة، والحديث عن شراكات وامتيازات، والتحول إلى العدادات مسبقة الدفع، كلها مؤشرات إلى تغير في منطق القطاع: «ادفع أولاً، ثم استهلك!»
وهذا المنطق يختزل المواطن في رصيد ينتهي بانتهاء الكهرباء، ويصبح رفع التعرفة وزيادة التقنين وجهين لسياسة واحدة؛ تحميل المواطن تكاليف إصلاح شبكة دمرتها الحرب وسياسات الإهمال والفساد، بدلاً من إصلاح بنيوي يضمن عدالة التوزيع.
إن زيادة التقنين ليست حدثاً منفصلاً عن رفع التعرفة، بل امتداد لغياب رؤية وطنية ترى في الكهرباء حقاً تنموياً وليس آلية جباية. وحتى لو عادت التغذية إلى التحسن جزئياً، فبدون حل جذري سيبقى كل «تحسن» مؤقتاً، وكل «تقنين» مؤقت أيضاً، ولكن ما لا يبدو «مؤقتاً» هو معاناة السوريين؛ فاتورة أعلى، وكهرباء أقل!