Skip to main content

طُرقٌ تُحفر مرتين؛ والشعارات لا تُلغي الكلفة

 |  قاسيون  |  محليات

بين حملات رسمية تتحدث عن صيانة الطرق، وواقع يومي يشتكي منه الأهالي والسائقون، تتكشف أزمة التنفيذ والمواصفات والرقابة. حيث يُخصص المال العام، وتتحرك الورشات، لكنها سرعان ما تعود إلى الحفر والتشققات، في مشهد يكرر نفسه في ريف دمشق كما في مناطق الشمال.

وتبدأ المشكلة قبل فرش الإسفلت، لأن غياب التمهيد الصحيح للتربة، وتنظيف الطبقات المتهالكة، ومعالجة الهبوطات، يجعل الطريق الجديد أشبه بغطاء هش فوق أرض غير مستقرة. أما سماكة الإسفلت التي يجب ألا تقل عن 5 إلى 7 سم مضغوط لتحمل الحركة والأحمال، فهي معضلة أخرى؛ ففي داريا يتحدث الأهالي عن طبقات لا تتجاوز 3 سنتيمترات في شوارع حديثة التعبيد، محذرين من أن هذه الطرق لن تصمد أمام مياه الأمطار وحركة السير الكثيفة.
ولا تقف الأزمة عند سوء التنفيذ، وتمتد فعلياً إلى غياب التنسيق قبل المد. فبعض الشوارع تُزفَّت فقط ليُعاد حفرها بعد أيام لتمديد شبكات الصرف الصحي أو خطوط الهاتف. فقد عادت الورشات إلى شارع الثلاثين بإدلب بغرض حفره لصيانة الصرف الصحي بعد تعبيده. أما في جرمانا يشتكي الأهالي من اعتماد الورشات على «الترقيع» بدلاً من التعبيد الكامل، لتظهر الأسطح متموجة وغير مستوية.
وتؤدي هذه الممارسات إلى تكلفة مضاعفة؛ مرة للتزفيت الأول، ومرة لإعادة الحفر والتزفيت لاحقاً، ويتضح أن الخسائر المترتبة على سوء التنفيذ – وربما التلاعب – تلتهم ملايين الدولارات التي كانت ستكفي لتوسيع شبكة الطرق أو دعم البنى التحتية المتداعية. وهنا تتسع الفجوة بين الشعارات الرسمية وواقع المواطن الذي يتحمل وزر هذه الإخفاقات، بينما تتحمل الخزينة العامة كلفة مهدورة.
يستدعي تجاوز هذه المعضلة الانتقال من لغة الشعارات إلى آليات عمل صارمة؛ تشمل الالتزام بالمعايير الهندسية في التمهيد والتنفيذ، وإخضاع المشاريع لرقابة فنية ومستقلة. وبغير ذلك ستظل مشاريع التعبيد تفتقر إلى الديمومة، ويبقى المال العام رهناً لسوء التخطيط والتنفيذ والتلاعب بالمواصفات، فيما المواطن يدفع الثمن مرتين؛ مرة من خلال الضرائب التي تمول هذه المشاريع، ومرة عبر الأضرار المادية والنفسية التي تصيبه جراء رداءة الطرق.