طالب الدراسات العليا باحث وليس «مليونيراً...»!
لم تعد الدراسات العليا في سورية مجرد رحلة علمية شاقة، بل تحولت بالنسبة إلى كثير من الطلاب، إلى اختبار للقدرة المالية قبل الكفاءة الأكاديمية. فبينما يُفترض أن يكون البحث العلمي استثماراً وطنياً في المعرفة والإنتاج، يجد الباحث نفسه مضطراً إلى تمويل بحثه من جيبه، في اقتصاد ينهش دخول المواطنين ويضيّق فرصهم.
وبحسب قرار لجامعة دمشق بتاريخ شباط 2024 وما زال ساري المفعول إلى اليوم، تم رفع سقف تمويل دعم البحث العلمي لرسائل الماجستير إلى 50 ألف ل.س جديدة، وللدكتوراه إلى 100 ألف ل.س، مبالغ لا تكاد تلامس التكاليف الفعلية، إذ يروي طلاب أن إنجاز بحث ماجستير في كلية نظرية ككلية التربية أو الإعلام، قد يكلف 50-60 ألف ل.س جديدة، فيما تجاوز الإنفاق العملي لأحد باحثي الدكتوراه في الهندسة الزراعية- كلية علمية- ألف دولار قبل الانتهاء من كل التجارب وإتمام بحثه النهائي.
ففي الكليات العلمية، تتضاعف التكاليف من تحليل العينات وشراء الكواشف الكيميائية والمواد المخبرية وأجور الأجهزة والتحاليل، فضلاً عن اختبارات الإحصاء واستخلاص النتائج والطباعة ورسوم التسجيل والنشر.
كما قد يضطر الطالب إلى دفع نحو نصف تكلفة بعض الاختبارات عند إجرائها في كليات أخرى، فيما تتبدل أسعار المستلزمات مع تقلبات سعر الصرف.
ولا تقف المشكلة عند ضآلة التمويل، بل تمتد إلى بيروقراطية الموافقات والأوراق واللجان وانتظار الصرف، فتدفع بعض الطلاب إلى العزوف عن طلب الدعم واللجوء إلى التمويل الذاتي، بما يستنزف مدخراتهم ودخول أسرهم، ويهدد بتحويل التحصيل العلمي إلى امتياز طبقي.
البحث العلمي في سورية يُعامل كـمغامرة محفوفة بالخسارة، حيث لا صناديق دعم حقيقية ولا منح، فإذا كان طالب الكليات النظرية يدفع الملايين، فكيف بطلاب الكليات العلمية الذين تتضاعف تكاليفهم بالدولار؟ سياسات الترقيع هذه تنتج باحثين مفلسين أو مهاجرين.
والمطلوب تغيير فلسفة تمويل البحث العلمي؛ ربط التمويل بمؤشر التضخم وسعر الصرف، وإلزام الجامعات بتغطية كامل تكاليف البحث العلمي، وإلغاء البيروقراطية عبر صندوق مستقل يُصرف خلال فترة قصيرة. البحث العلمي ليس «صدقة» بل حق، فالدولة التي تترك الباحث وحيداً أمام فاتورة المعرفة لا توفر المال فحسب، بل تخاطر بخسارة كفاءاتها، وحين يصبح إكمال البحث مرهوناً بقدرة الطالب على الدفع، يغدو الفقر حاجزاً أمام العلم، وتتحول الجامعة من رافعة اجتماعية إلى مرآة للتفاوت الطبقي.