يشهد قطاع التعاون السكني في سورية مرحلة مفصلية، عنوانها إعادة التنظيم والمحاسبة والحل والتصفية، وسط أرقام تكشف حجم التراجع الذي أصاب أحد أهم القطاعات التي شكلت لعقود منفذاً سكنياً للموظفين ومحدودي الدخل والطبقة الوسطى.
فمن أصل 3248 جمعية سكنية مشهرة قانونياً، لم يتجاوز عدد الجمعيات الفعالة 1432 جمعية وفق بيانات وزارة الأشغال العامة والإسكان المنشورة في تموز 2025. وفي أحدث الأرقام التي كشف عنها مدير التعاون السكني في تقرير لصحيفة الثورة السورية بتاريخ 18 تشرين الأول 2026، ارتفع عدد الجمعيات المصنفة متعثرة إلى 601 جمعية.
وتتجه المعالجة الحكومية نحو حل وتصفية الجمعيات التي فقدت مقومات الاستمرار، ودمج بعضها، وتعيين مجالس إدارة مؤقتة لجمعيات أخرى، بالتوازي مع إنهاء عقود مديري الجمعيات وإعادة ضبط النفقات والرقابة على الأداء.
كما يجري العمل على مقترح لتعديل المرسوم التشريعي 99 لعام 2011، ومشروع لمعالجة تآكل القيمة الشرائية لمدفوعات المكتتبين من خلال احتسابها بالقيمة الدولارية، وهو مقترح لم يتحول بعد إلى قرار نافذ.
لكن وسط كل هذه الإجراءات، ثمة سؤال جوهري يبدو أنه لا يحظى بالاهتمام الكافي: كيف يُطلب من الجمعيات إنجاز مشاريعها بينما لا تستطيع تأمين الأرض التي ستُقام عليها هذه المشاريع؟
إن مشكلة الأراضي ليست طارئة، بل هي أزمة مزمنة. فقد أدى تراجع تخصيص الأراضي للجمعيات واضطرارها إلى شرائها من القطاع الخاص إلى ارتفاع تكاليف المشاريع وتعثرها، وتحول الأرض من وسيلة لتحقيق السكن التعاوني إلى العقبة الأولى أمام تحقيقه.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الدولة التي تبدو عاجزة عن تأمين أراضٍ مناسبة لجمعيات تضم مئات آلاف المكتتبين، تستطيع تقديم مساحات شاسعة من أملاكها لمشاريع الاستثمار العقاري الكبرى.
فمشروع «أبيات هيلز» في ضاحية قدسيا، المقام بالشراكة بين المؤسسة العامة للإسكان وشركة أبيات السعودية، يمتد على نحو 380 ألف متر مربع ويضم أكثر من ألفي وحدة سكنية، وقدمت المؤسسة الأرض مقابل حصة تبلغ 25% من إيرادات البيع وفق تصريحات مديرها العام.
كما أُعلن عن مشروع «شام فيو» على مساحة تقارب 1,78 مليون متر مربع، بالشراكة مع شركة استثمارية.
إن الأراضي العامة ملك للمجتمع، ويجب أن تُخصص حصراً لمشاريع النفع العام وتلبية احتياجات المواطنين، لا لتحقيق الأرباح الخاصة للمشاريع الاستثمارية الكبرى، في الوقت الذي تُحرم فيه الجمعيات التعاونية من أراضٍ تقيم عليها مشاريع إسكانية لأعضائها الذين ادخروا سنوات طويلة لتأمين مساكنهم.
وهنا تبرز المفارقة القانونية أيضاً؛ فالمادة 17 من المرسوم 99 لعام 2011 منحت مشاريع التعاون السكني أولوية على المشاريع السكنية الخاصة في الحصول على الأراضي ومواد البناء والقروض والتسهيلات. فأين ذهبت هذه الأولوية؟ وكيف تُترجم إلى إجراءات عملية؟
إن المطلوب ليس وقف الاستثمار، بل وضع سياسة عادلة لتوزيع الأراضي العامة، تتضمن تخصيص حصة سنوية واضحة للتعاون السكني، وإنشاء بنك أراضٍ للجمعيات، وتقديمها بأسعار وشروط تتناسب مع طبيعة هذا القطاع الاجتماعي.
كما أن من الضروري نشر بيانات شفافة توضح الأراضي التي قدمتها الدولة للمشاريع الاستثمارية، مقابل الأراضي التي خصصتها للجمعيات خلال السنوات الماضية.
أما أن تختزل عملية إصلاح التعاون السكني في تغيير المديرين وحل الجمعيات وتصفية المتعثر منها، دون معالجة أزمة الأرض والتمويل، فذلك يعني معالجة النتائج وترك الأسباب.
لا يجوز أن تتحول الجمعية التي عجزت عن تأمين الأرض إلى متهم بالتقصير وحدها، بينما لا يُطرح السؤال عن مسؤولية الجهات التي يفترض أن تساعدها في الحصول عليها.
فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الجمعيات التي جرى حلها، بل بعدد الأسر التي حصلت على مساكنها. والأرض العامة ليست امتيازاً استثمارياً فحسب، بل هي مسؤولية اجتماعية أيضاً، ومن حق المواطن أن يسأل: إذا كانت الدولة قادرة على تأمين الأرض للمستثمر، فلماذا لا تؤمنها للمواطن الذي ينتظر منزله منذ عقود؟