Skip to main content

نظام صحي عاجز عن إنقاذ حياة!

 |  قاسيون  |  محليات

لم يعد تراجع القطاع الصحي في سورية مجرد أزمة خدمات أو نقص عابر في الأدوية والتجهيزات، بل بات تعبيراً فاضحاً عن اختلال الأولويات وتراجع مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، فحين يصبح الوصول إلى العلاج مرتبطاً بالقدرة على الدفع، لا نكون أمام خلل إداري فحسب، بل أمام تفريغ الحق في الصحة من مضمونه وتحويله إلى امتياز طبقي، يدفع الفقراء ثمنه من صحتهم وحياتهم.

المشهد يمتد من محافظة إلى أخرى. ففي مشفى هجين الوطني بريف دير الزور، وهو المشفى الحكومي الوحيد الذي يخدم المدينة ومناطق واسعة في محيطها، يعاني من نقص الأدوية والتجهيزات والكوادر والاختصاصيين، رغم تقديم المشفى نحو 2500 خدمة شهرياً مقابل 20 ألف خدمة سابقاً وفق تصريح مديرها «محمود الشيخ» لسانا بتاريخ 27/10/2026، وهذا الواقع لم يكن بسبب قلة الموارد والإمكانات فحسب إنما نتيجة مغادرة معظم الكوادر والاختصاصين بعد انتهاء دعم المنظمات وعدم القبول بالعمل التطوعي وفق ما أكد مدير مديرية الصحة «نصر الخلف».
وفي مشفى دوما، وبعد خروج الأطباء المقيمين في آب الماضي للاحتجاج على ظروف العمل القاسية، والمطالبة بسكن لائق، جاء الرد بتأمين «كرفانات» فكان حلاً بائساً لا يبدد معاناة الإقامة، بعد الفيديوهات المتداولة التي فضحت الواقع المأساوي، وتسرب مياه الأمطار الأخيرة من كل زاوية داخل «الكرفان».
فكيف يمكن مطالبة الطبيب بإنقاذ حياة الناس فيما تُترك حياته واحتياجاته خارج حسابات المسؤولين؟
أما المراكز الصحية، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول، فليست بمنأى عن الانهيار، فوفاة طفلة في قرية النشابية بريف دمشق في 25/10/2026 لعدم توفر الأوكسجين أعادت طرح السؤال عن جاهزية الإسعاف وخدماته الأولية، وحتى مع توضيح مديرية الصحة ونفيها الواقعة داخل مستوصف النشابية، فهذا لا ينفي افتقار المراكز لأدنى مستلزمات التدخل الإسعافي السريع وعدم وجود مشفى مجهز في هذه القرى، حيث أقرب مشفى يبعد 15 كم.
ما سبق ليس استثناء بل واقع غالبية المشافي الحكومية التي تعيش انحداراً مشابهاً، يدفع بالمرضى لشراء أتفه المستلزمات وأبسطها من الخارج لعجز المشافي عن توفيرها!
بالمحصلة، تحميل المديريات وحدها المسؤولية، أو الاكتفاء بتبريرات نقص التمويل، لا يعفي الحكومة ووزارة الصحة من واجبهما في تخصيص الموارد ومراقبة الإنفاق وتوزيع الكوادر والتجهيزات بعدالة.
المطلوب ليس ترقيعاً في مشفى هنا أو إرسال أسطوانة أوكسجين هناك أو عبر انتظار دعم المنظمات الدولية، بل تغيير جذري في السياسات الصحية، وتمويل عام كافٍ، وتأهيل شامل للمرافق، وحماية الكوادر وتأمين الإسعاف والدواء مجاناً، فلا بديل عن إعادة تأهيل المشافي الحكومية إرساء نظام دعم صحي ينحاز إلى الفقراء، فالدولة التي تعجز عن حماية حياة مواطنيها تفقد جوهر وظيفتها، وليس مقبولاً أن يُترك الفقير لمواجهة المرض وحده، ثم يُقال له إن الإمكانات لا تكفي.
الصحة حق وليست منّة، وحياة السوري ليست بنداً قابلاً للتأجيل في الموازنة!