شكّلت السيول الجارفة، التي ضربت مناطق واسعة في سورية أواخر تشرين الأول، محطة مفصلية كشفت عن طبيعة التحديات البنيوية التي تواجهها البلاد. وجاءت لتجسّد كارثة مركبة تداخلت فيها العوامل المناخية مع الهشاشة المتراكمة في البنية التحتية والتخطيط.
فقد اجتاحت السيول محافظات الرقة، ودير الزور، والحسكة، وحلب، وحمص، بالإضافة إلى مناطق متفرقة في ريف دمشق، مخلّفةً خسائر بشرية ومادية جسيمة. وأحدثت شللاً في قطاعات حيوية شملت الطرق، ومحطات المياه، والكهرباء، والاتصالات، عدا عن تهجير مئات العائلات.
فيما قُطعت شرايين حيوية؛ فطريق حلب-الرقة والطريق الدولي الواصل بين حلب والرقة ودير الزور والحسكة والقامشلي، هو ممر أساسي لنقل الأفراد، والبضائع، والمشتقات النفطية، وانقطاعه يعني تعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع كلف النقل، وتقطّع أوصال السوق السورية. كما أن انهيار جسور حيوية مثل جسر السلماني غرب الطبقة، وانجراف تحويلة جسر خنيفيس، يشير إلى أن البنية التحتية لم تخضع لأي صيانة تتلاءم مع مواجهة التغيرات المناخية.
وفي الواقع، تضعنا هذه الكارثة أمام تناقض حاد بين تحذير بقي في حدود التوعية، وإجراءات استباقية ملموسة. فبعدما أطلقت وزارة الكوارث تحذيرات مسبقة قبل ذروة المنخفض الجوي، استبشرت الناس خيراً بأن الدولة – وأخيراً – لن تنتظر غرقهم قبل أن تتحرك، ولكن اتضح أن التحذير ظلَّ محصوراً في إطار التوعية النظرية و«إخلاء المسؤولية»، من دون أن يُترجم إلى منظومة إجراءات استباقية وعملية، تشمل عمليات الإخلاء المنظم للمناطق العرضة للتضرر والمخيمات، أو فتح ممرات تصريف، أو تحصين الجسور والطرق الحيوية.
ولا يمكن فصل السيول عن السياق الذي جعلها كارثية. فشبكات الصرف الصحي المتهالكة، والجسور المتآكلة، والطرق المهملة، ليست سوى انعكاس لأولويات مرحلية سابقة غاب عن ذهنها الاهتمام بحماية الأرواح وتطوير البنى التحتية.
مجدَّداً، أثبتت الكارثة أن الأزمات الطبيعية لا تضرب الجميع بالتساوي، بل تتفاعل مع الفوارق القائمة لتُضاعف من معاناة الفئات الأكثر فقراً. حيث المتضرر الأكبر هم النازحون في المخيمات، وسكان العشوائيات والأقبية، فضلاً عن العمال والفلاحين الذين فقدوا محاصيلهم ومصادر أرزاقهم. ويفتقر هؤلاء إلى الحد الأدنى من المدّخرات أو المساكن البديلة،
لتكون الكارثة الطبيعية امتداداً وإمعاناً في معاناتهم الاجتماعية والاقتصادية المستمرة.
رغم أهمية عمليات إعادة فتح الطرق وإصلاح ما تضرر، إلا أنها تبقى في حدود الإجراءات الإسعافية اللاحقة للكارثة. ويظل المخرج الحقيقي هو صياغة وإقرار استراتيجية وطنية شاملة للحد من مخاطر الكوارث، ترتكز على استثمار حقيقي ومستدام في شبكات الصرف الصحي، والجسور والطرق، وتحديث أنظمة الإنذار المبكر المقترنة بخطط إخلاء، إضافة إلى تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وتوسيع مظلّتها. وإلى حينها، سيبقى السوريون يُحصون الكوارث الواحدة تلو الأخرى.