يخرج أهالي جوبر إلى الشارع، ومرة أخرى يجدون أنفسهم مضطرين إلى الاحتجاج كي يسمع المسؤولون صوتهم. يوم الجمعة، 23 تشرين الأول، تجدد الغضب الشعبي، ووصل إلى قطع المتحلق الجنوبي قرب جسر زملكا لفترة قصيرة، في مشهد يختصر حجم الاحتقان المتراكم إزاء تعثر ملف إعادة الإعمار، وغموض الخطط المطروحة، واستمرار القلق على مصير الممتلكات وحق العودة.
ما يجري في جوبر لم يعد مجرد تأخر في تنفيذ مشروع عمراني، بل أزمة ثقة حقيقية بين الأهالي والجهات المسؤولة عن تقرير مستقبل حيهم. فبعد سنوات من الدمار والتهجير والانتظار، كان من المفترض أن تكون الأولوية واضحة؛ إعادة الحياة إلى الحي، وضمان حقوق أصحابه، ووضع مسار شفاف ومعلن للإعمار. لكن الواقع لا يزال يطرح الأسئلة ذاتها، فيما تتجدد الاحتجاجات من دون أن تظهر، حتى الآن، إجابات كافية تبدد مخاوف السكان.
المشكلة لا تكمن في الاستثمار بحد ذاته، بل في شروطه وآلياته، وفي مدى عدالته لأصحاب الأرض والعقارات. وقد أعلن مجلس أمناء جوبر رفض العرض الاستثماري المطروح بصيغته الحالية، في موقف يعكس حجم الاعتراض على صيغة لا يرى المجلس أنها تلبي الحد الأدنى من تطلعات المالكين. فكيف يمكن مطالبة الأهالي بالثقة بمشروع لا تتضح أمامهم جميع تفاصيله، ولا تتوافر بشأنه ضمانات كافية ومعلنة تحفظ حقوقهم؟
إن إعادة إعمار جوبر ليست صفقة تجارية تُقاس بأرباح المستثمرين وحدها، وليست مخططاً هندسياً يمكن فرضه من أعلى. إنها قضية حقوق وملكيات وعودة وكرامة، وأي مشروع يتجاهل هذه الحقائق محكوم بمزيد من الاعتراض وفقدان الثقة.
هنا تقع المسؤولية المباشرة على محافظة دمشق. فلا يكفي إطلاق الوعود أو الحديث عن فرص استثمارية، فيما يبقى أصحاب الحقوق في حالة انتظار وقلق. المطلوب هو نشر الوثائق والتفاصيل، وتوضيح الحصص والالتزامات، وتقديم ضمانات قانونية صريحة، والإعلان عن جدول زمني محدد، وإشراك الأهالي وممثليهم فعلياً في القرارات التي تحدد مستقبل الحي.
إن استمرار هذا الغموض ليس تفصيلاً إدارياً، بل إخفاق في إدارة قضية تمس حياة آلاف الناس وحقوقهم الأساسية. ولا يجوز أن يدفع الأهالي، الذين تحمّلوا سنوات الدمار والتهجير، ثمن غياب الشفافية أو الخلاف على المصالح الاستثمارية.
جوبر لا تحتاج إلى مزيد من التسويف، بل إلى قرار واضح وإجراءات ملموسة. فإعادة الإعمار التي لا تحفظ حقوق أصحاب الأرض تفقد جوهرها، والمشروع الذي لا يطمئن السكان لا يمكن تسويقه باعتباره حلاً لمشكلتهم.
لقد طال الانتظار بما يكفي. وعلى محافظة دمشق أن تدرك أن استعادة الثقة لا تتحقق بالتصريحات، بل بالشفافية والعدالة واحترام الحقوق. أما ترك جوبر معلقة بين الوعود والمخططات، فلن يؤدي إلا إلى اتساع الفجوة بين الأهالي والجهات المسؤولة.
فمن حق جوبر أن تُعمر، ومن حق أهلها أن يعودوا، ومن واجب المسؤولين أن يثبتوا بالأفعال أن حقوق أصحاب الأرض ليست الحلقة الأضعف في أي مشروع لإعادة الإعمار.