خلف كل حبة زيتون تُقطف، حكاية تعب ومخاطرة، وعمال يواجهون قسوة الطبيعة وضيق الحال مقابل أجور متدنية، من دون ضمانات تحميهم إذا أصيبوا أو فقدوا قدرتهم على العمل.
مع انطلاق موسم قطاف الزيتون في سورية، ينشغل المزارعون بجمع المحصول، فيما يخوض العمال والعاملات سباقاً يومياً مع الوقت والتعب لتأمين لقمة عيشهم. ساعات طويلة يقضونها بين الأشجار، في أراضٍ قد تكون وعرة ومنحدرة، مقابل أجور لا تتناسب مع مشقة العمل ولا مع المخاطر التي ترافقه.
منذ ساعات الصباح الأولى، يبدأ العمال مهماتهم التي تتوزع بين تسلق الأشجار، وقطف الثمار من الأغصان العالية، واستخدام العصي، وجمع الزيتون المتساقط، ثم نقل الأكياس الثقيلة إلى نقاط التجميع. وتتكرر حركات الانحناء والرفع والحمل طوال ساعات العمل، فيما يواجه العمال تقلبات الطقس والبرد والأمطار، التي تزيد الأرض انزلاقاً وتجعل الحركة أكثر صعوبة وخطورة.
لكن الخطر الأكبر يكمن في احتمال الإصابة. فسقوط عامل عن شجرة، أو انزلاقه على منحدر، أو تعرضه لإصابة أثناء استخدام أدوات القطاف، قد يحوّل يوم العمل إلى مأساة تمتد آثارها إلى الأسرة بأكملها. وفي ظل غياب التأمين الصحي والتعويضات المضمونة لدى كثير من العمال الموسميين، يجد المصاب نفسه أمام تكاليف العلاج وفقدان الأجر معاً، من دون شبكة أمان تحميه من تداعيات الحادث.
ولا تقل الأجور قسوة عن ظروف العمل؛ إذ يبلغ متوسطها نحو 100 ألف ليرة سورية قديمة يومياً، مع تفاوتها بحسب المنطقة وطبيعة الأرض وعدد الأشجار وحجم المحصول والمهام المطلوبة. كما تختلف أجور الرجال والنساء، في ظل توزيع متفاوت للأعمال بين تسلق الأشجار وحمل الأوزان من جهة، وجمع الثمار وفرزها من جهة أخرى، ما يفتح باب التساؤل عن مدى عدالة الأجر قياساً بالجهد المبذول.
وتتضاعف هشاشة هذه الفئة، لأن عملها موسمي ومحدود زمنياً. فمع انتهاء القطاف، ينقطع مصدر الدخل لدى كثيرين، ليبدأ البحث عن فرصة عمل أخرى في ظروف اقتصادية لا توفر بدائل سهلة، فيما لا تضمن أيام العمل القليلة دخلاً يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية طوال العام.
هكذا، لا يقتصر ثمن موسم الزيتون على كلفة الإنتاج، بل يمتد إلى أجساد العمال وحقوقهم وأمنهم المعيشي. وبينما تسهم أيديهم في جمع المحصول الذي يشكل جزءاً مهماً من الاقتصاد الزراعي السوري، يبقى السؤال: من يحمي هؤلاء إذا أصابتهم مخاطر المهنة، ومن يضمن لهم أجراً عادلاً وعملاً يحفظ كرامتهم؟