اثنا عشر ألف ليرة جديدة فقط، هذا ما يتقاضاه المتقاعد مقابل سنوات طويلة من العمل والعطاء. راتب هزيل أصلاً، تتآكل قيمته مع كل ارتفاع في سعر الصرف، وتتراجع قدرته الشرائية أمام أسعار منفلتة لا تنتظر نهاية الشهر، ولا ترحم أصحاب الدخل المحدود.
المتقاعد اليوم لا يواجه الفقر وحده، بل يواجه سياسات عاجزة عن حماية الحد الأدنى من العيش الكريم، وكأن سنوات خدمته أصبحت بلا قيمة بمجرد إحالته إلى التقاعد. فهل يُعقل أن يتحول من أفنى عمره في العمل إلى إنسان يحسب ثمن الدواء ولقمة الطعام، ويضطر إلى تأجيل احتياجاته الأساسية لأن معاشه لا يكفي؟
إنها ليست أزمة راتب فحسب، بل أزمة مسؤولية وعدالة اجتماعية. فحين ترتفع الأسعار، ويبقى المعاش أسير أرقام قديمة، تصبح السياسات المتبعة شريكاً في تعميق معاناة المتقاعدين، مهما تعددت التبريرات والوعود.
المطلوب اليوم، ليس تصريحات مطمئنة ولا مساعدات عابرة تُسكت الوجع مؤقتاً، بل قرارات واضحة تبدأ برفع المعاشات إلى مستوى يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، وربطها بآلية دورية تراعي التضخم وتغيرات سعر الصرف، فضلاً عن تأمين الدواء والرعاية الصحية بأسعار تتناسب مع دخول المتقاعدين.
لقد أدّى هؤلاء واجبهم، وليس من المقبول أن يُتركوا لمواجهة نتائج الأزمات وحدهم. ومن يتحمل مسؤولية إدارة الشأن العام مطالب بتقديم حلول ملموسة، لا مطالبة الناس بالصبر إلى ما لا نهاية.
كرامة المتقاعد ليست بنداً ثانوياً في الموازنة، وحقوقه ليست مِنّة من أحد. إن استمرار تجاهل معاناته يكشف خللاً لا يجوز تبريره، أو التعايش معه. فالدولة التي لا تحمي من خدموها، ولا تضمن لهم حياة كريمة بعد سنوات العطاء، مطالبة بمراجعة سياساتها قبل أن يتحول التقاعد من استحقاق اجتماعي إلى حكم بالفقر والإذلال.