مرة أخرى، يبتلع خزان وقود حياة إنسان في حلب، ومرة أخرى لا نملك سوى خبر مقتضب عن وفاة شاب، وكأن موت العمال تفصيل عابر في يوميات هذه المدينة المنهكة.
بحسب ما نقلته مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في حلب، انتشلت فرق الدفاع المدني السوري، يوم الخميس 22 تشرين الأول، جثمان شاب توفي اختناقاً داخل خزان للوقود أثناء العمل على تنظيفه في حي المرديان، ونُقل إلى مشفى حلب الجامعي لاستكمال الإجراءات اللازمة.
لكن السؤال الذي يجب ألا يُدفن مع الضحية: كيف يُترك إنسان يدخل خزاناً قد يتحول إلى مصيدة موت، من دون ضمانات كافية تحمي حياته؟ وأين إجراءات السلامة المهنية، وفحص نسبة الأكسجين، والتهوية، ومعدات الحماية والإنقاذ؟ ومن يتحمل المسؤولية حين تنتهي مهمة العامل بجثمان يُنقل إلى المستشفى بدلاً من أن يعود إلى أسرته؟
هذه ليست المرة الأولى. ففي حزيران 2022، توفي شقيقان داخل خزان بنزين في محطة وقود بحي الجزماتي في حلب، بعد تعرضهما لأبخرة البنزين أثناء أعمال الصيانة، وفق ما أوردته تقارير محلية. فهل مرت السنوات لتبقى الأخطاء ذاتها، ويدفع العمال الثمن بأرواحهم؟
إن تكرار هذه الحوادث جرس إنذار لا يجوز تجاهله. صحيح أن ملابسات حادثة المرديان لم تُكشف كاملة، ولا يجوز إصدار أحكام مسبقة، لكن تكرار الوفيات داخل خزانات الوقود يفرض تحقيقاً جدياً في مدى الالتزام بشروط السلامة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره.
العامل، ليس قطعة غيار تُستبدل، وحياته ليست كلفة إضافية يجوز توفيرها. له حق في بيئة عمل آمنة، ومعدات تحميه، ورقابة تمنع تحويل لقمة العيش إلى مقامرة بالموت.
كفى بيانات نعي بعد فوات الأوان. المطلوب: إجراءات تحمي الأحياء، ومحاسبة تمنع تكرار المأساة، واحترام فعلي لحق العمال في الحياة. فكم عاملاً آخر يجب أن يموت حتى تصبح سلامته أولوية؟