هل يُكافأ المجتمع الأهلي على حماية الذاكرة التاريخية، أم يُترك أمام قرارات إدارية تهدد استقلال مؤسساته؟
في بيان نشرته على صفحتها بتاريخ 15 تشرين الأول 2026، أعلنت جمعية العاديات صدور قرار عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بناءً على اقتراح مديرية الشؤون في حلب، يتضمن حل مجلس إدارتها الحالي والتريث في تجديد ترخيصها إلى حين تشكيل مجلس إدارة مؤقت، من دون ذكر أسباب أو حيثيات لهذا القرار، وفقاً لما جاء في البيان.
لسنا أمام جمعية طارئة أو كيان حديث التأسيس، بل أمام مؤسسة ثقافية تجاوز عمرها القرن، تأسست عام 1924، وارتبط اسمها على امتداد عقود بالدفاع عن التراث الحضاري والآثار، وتوثيق تاريخ حلب ومعالمها، وتنظيم المحاضرات والندوات والمعارض والرحلات والزيارات التي تعزز الصلة بين المجتمع وذاكرته التاريخية.
والأكثر إثارة للتساؤل أن مجلس الإدارة الذي شمله القرار انتُخب، بحسب البيان، بتاريخ 14 نيسان 2025، بصورة ديمقراطية وبإشراف الجهات الوصائية. وهنا يبرز سؤال لا يجوز تجاهله: ما الذي يستدعي حل مجلس منتخب بعد أكثر من عام على انتخابه، إذا كانت العملية الانتخابية قد جرت بإشراف الجهات المعنية؟ وأين الأسباب القانونية والإدارية التي تبرر مثل هذا الإجراء؟
إن خطورة المسألة لا تكمن في تغيير مجلس إدارة بحد ذاته، فالمساءلة القانونية حق للدولة متى استندت إلى أسباب مشروعة وإجراءات سليمة. إنما تكمن في اتخاذ قرار بهذا الحجم من دون إعلان مبرراته، بما يفتح الباب أمام التأويلات ويقوض الثقة بين المؤسسات الأهلية والجهات المشرفة عليها.
ويكتسب الأمر حساسية إضافية حين يشير البيان إلى مواقف الجمعية الواضحة من التعديات على المعالم والمواقع الأثرية في مختلف أنحاء البلاد، مؤكداً عزمها على متابعة هذه القضايا «من أي موقع كان». لا يثبت هذا التصريح أن القرار صدر بسبب تلك المواقف، لكنه يجعل التساؤل عن العلاقة بين حماية التراث واستقلال المؤسسات المعنية به أمراً مشروعاً لا يجوز تجاهله.
فما الرسالة التي قد تصل إلى الجمعيات والباحثين والناشطين إذا وجدوا مؤسسة عريقة، كرست جهودها لحماية التراث، أمام قرار يحل مجلس إدارتها من دون توضيح أسبابه؟ ألن يثير ذلك مخاوف من أن يصبح الصمت أقل كلفة من الاعتراض، وأن تتحول الرقابة الإدارية، في نظر المجتمع، من أداة لتنظيم العمل الأهلي إلى مصدر للقلق بشأن استقلاله؟
إن حماية التراث ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل مسؤولية مجتمعية تتكامل فيها المؤسسات الرسمية والجمعيات الأهلية والباحثون والمواطنون. ولا يمكن بناء هذه الشراكة بالتضييق على المؤسسات أو ترك قرارات تمس مستقبلها بلا تفسير واضح.
إن جمعية العاديات أكبر من مجلس إدارتها، وأعرق من أن يُختزل مصيرها في إجراء إداري غامض. والمطلوب اليوم توضيح الأسباب القانونية للقرار، وضمان استمرار رسالتها الثقافية، واحترام الأطر الديمقراطية التي اختيرت من خلالها إدارتها.
فالدولة الواثقة من إجراءاتها لا تخشى الشفافية، والسلطة التي تريد حماية التراث لا ينبغي أن تترك مؤسساته الأهلية تتساءل عن ثمن استقلالها. فالآثار تحفظ ذاكرة الشعوب، أما استقلال المؤسسات التي تحميها فيحفظ ثقة المجتمع بمستقبله.