لم يعد حبس السيولة في سورية مجرد إجراء نقدي مثير للجدل، بل تحول، مع استمرار القيود على السحوبات لسنوات، إلى عبء ثقيل على الفعاليات الاقتصادية، وأحد العوامل التي تعمق الاختناق في الأسواق وتعرقل الإنتاج والاستثمار وتستنزف ما تبقّى من فرص التعافي.
تصريح رئيس مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، عبد الرزاق قاسم بتاريخ 21 تشرين الأول 2026، أعاد تسليط الضوء على هذه المشكلة، بعدما أقر بأن سياسات حبس السيولة وفرض سقوف على السحوبات تركت أثراً واضحاً على تداولات بورصة دمشق، وأصبحت تدفع المستثمرين الجدد إلى التردد خشية تعذر الوصول إلى أموالهم.
وبحسب التصريح، لم تتجاوز قيمة التداولات العادية خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 1,64 مليار ليرة سورية، بحجم تداول بلغ 58,78 مليون سهم. لكن المسألة لا تتعلق بالبورصة وحدها، بل باقتصاد باتت فيه الأموال موجودة في الحسابات، فيما يعجز أصحابها عن استخدامها بحرية لتسيير أعمالهم وتلبية احتياجاتهم الاستثمارية والإنتاجية.
وإذا كانت قيود السحب تعرقل الاستثمار في البورصة، فإنها تضرب في العمق قدرة التجارة والصناعة والزراعة وسائر الأنشطة الاقتصادية على العمل والنمو.
فالتاجر الذي لا يستطيع الوصول إلى أمواله يتعثر في تسديد مستحقات الموردين، والصناعي الذي يعجز عن تأمين السيولة اللازمة لشراء المواد الأولية يضطر إلى تقليص إنتاجه أو تأجيله، والمنشأة الصغيرة التي لا تتمكن من تغطية نفقاتها التشغيلية تصبح مهددة بالتوقف، حتى إن كانت تمتلك سوقاً لمنتجاتها. وفي اقتصاد يعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف التمويل، تتحول هذه القيود إلى قيد إضافي يخنق ما تبقى من النشاط الإنتاجي.
هذه ليست مخاطر افتراضية يمكن التحذير من وقوعها مستقبلاً، بل انعكاسات تتجلى في صعوبات الوصول إلى الأموال وتعطيل المعاملات وإضعاف الثقة، وقد فاقم استمرار القيود لسنوات كلفتها على سلوك الأفراد والشركات وقراراتهم الاقتصادية.
والأشد خطورة أن حبس السيولة لا يكتفي بتقييد النشاط القائم، بل يزرع الخوف من الاستثمار المقبل. فأي مستثمر سيغامر بأمواله في مشروع جديد إذا لم يكن واثقاً من قدرته على تحريكها عند الحاجة؟ وأي منشأة ستتوسع في الإنتاج إذا كانت السيولة اللازمة لتشغيلها محاصرة بقيود مصرفية؟ وأي مودع سيواصل الثقة بالجهاز المصرفي إذا كان الوصول إلى أمواله خاضعاً لقيود غير واضحة الأفق؟
هكذا تتراجع الثقة، وتتأجل الاستثمارات، وتتقلص فرص العمل، وتضعف حركة الأسواق، فيما تتجه بعض الأموال إلى خارج القنوات المصرفية، فتزداد صعوبة إعادة توظيف المدخرات في الاقتصاد المنتج. إنها حلقة استنزاف متواصلة، يدفع المواطن والمنتج والمستثمر ثمنها، ويتحمل الاقتصاد السوري كلفتها الإجمالية.
قد تتذرع السلطات النقدية بضرورات الاستقرار المالي وضبط التضخم، لكن هذه الاعتبارات لا تمنح القيود حصانة دائمة من المساءلة. فالسياسة النقدية لا تُقاس فقط بقدرتها على ضبط النقد، بل أيضاً بنتائجها على الإنتاج والتشغيل والاستثمار والثقة. وإذا استمرت القيود سنوات، فلا بد من سؤال مشروع: ما جدواها الفعلية، وما كلفتها الاقتصادية، وأين الخطة الواضحة لإنهائها أو تخفيفها؟
لا يمكن إنعاش اقتصاد عبر تقييد حركة الأموال التي يحتاج إليها كي ينتج ويتاجر ويستثمر. ولا يجوز أن يتحول الإجراء الاستثنائي إلى واقع دائم، بينما تتراكم كلفته على المجتمع والاقتصاد.
لقد أعاد تصريح رئيس هيئة الأوراق المالية فتح ملف لا يجوز أن يبقى محصوراً في أروقة المصارف والجهات النقدية. المطلوب مراجعة جدية وشفافة لسياسات حبس السيولة، وتحديد جدول واضح لتخفيف القيود، وضمان وصول المودعين إلى أموالهم وفق قواعد معلنة، بالتوازي مع حماية الاستقرار المصرفي والنقدي.
فالسؤال لم يعد ما إذا كان حبس السيولة يؤثر في الاقتصاد، بل إلى متى سيستمر تحمّل كلفته، ومن سيحاسب عن الفرص الإنتاجية والاستثمارية التي ضاعت، وعن اقتصاد يحتاج إلى تحرير طاقاته لا إلى المزيد من القيود؟