لم تعد حوادث ضبط الفروج النافق في محافظة حماة مجرد مخالفات تموينية عابرة، بل بات تكرارها يطرح أسئلة خطرة عن سلامة الغذاء، وفاعلية الرقابة، وحجم ما قد يصل إلى موائد المواطنين بعيداً عن أعين الجهات المعنية.
ففي 22 تشرين الأول الجاري، أعلنت وكالة الأنباء السورية «سانا» ضبط شحنة من الفروج النافق على طريق مصياف، كانت مُعدة للتوزيع على محال بيع الفروج، قبل أن تتخذ الإجراءات اللازمة لإتلاف الكمية وحرقها أصولاً. وهذه التفصيلة تحديداً هي الأخطر؛ فالشحنة لم تكن مجرد مخلفات يجري التخلص منها، بل حمولة كانت في طريقها إلى منافذ بيع يتعامل معها المواطن على أساس أنها مصدر لغذائه اليومي.
وقبل ذلك، في 10 تشرين الأول، ضبطت دوريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في مدينة سلمية سيارة محملة بنحو 650 كيلوغراماً من الفروج النافق وفضلاته غير الصالحة للاستهلاك البشري. كما سبق أن كُشف في أيلول عن مسلخ غير مرخص لتجميع الدواجن النافقة وتخزينها تمهيداً لطرحها في الأسواق، وضُبط نحو طن من الفروج النافق و350 كيلوغراماً من اللحوم المجرومة المخزنة بقصد البيع.
لا شك أن الضبط والإتلاف خطوتان ضروريتان تستحقان التقدير، لكنهما لا تكفيان وحدهما. فكل شحنة تُضبط تفتح سؤالاً أكثر إلحاحاً: كم شحنة سبقتها ووصلت إلى وجهتها؟ وكم كمية تسللت إلى الأسواق والمطاعم قبل اكتشافها؟ لا توجد معطيات تجيب عن ذلك، لكن تكرار الوقائع يجعل التحقيق الشامل ضرورة لا تحتمل التأجيل.
المطلوب ليس الاكتفاء بمصادرة الحمولة وإتلافها، بل تتبع مصدرها، وكشف مسارها، وتحديد المحال والمطاعم التي كان يفترض أن تصل إليها، والتحقق مما إذا كانت شحنات سابقة قد سُلمت بالفعل. كما يجب ملاحقة جميع المتورطين، من الموردين والناقلين إلى الوسطاء والمستفيدين، ومحاسبتهم وفق القانون، لا الاكتفاء بمعالجة كل حادثة بمعزل عن الأخرى.
صحة الناس ليست سلعة للمساومة، وأرواح المواطنين ليست هامشاً في حسابات الربح. وأي شبكة تتعمد تعريضهم للخطر سعياً وراء المال يجب أن تواجه محاسبة رادعة. أما الرقابة الحقيقية، فلا تُقاس بما تضبطه فحسب، بل بقدرتها على تفكيك مصادر الخطر ومنع تكراره، وضمان ألا يتحول غذاء المواطن إلى وسيلة للتربح على حساب صحته.