لم تعد بعوضة «النمر الآسيوي» في اللاذقية وطرطوس مجرد حشرة تثير انزعاج الأهالي، بل بات احتمالية اتساع انتشارها اختباراً جديداً لقدرة الجهات المعنية على حماية الصحة والسلامة العامة، وكشفاً لخلل أعمق من لسعات البعوض: إدارة تنتظر تفاقم المشكلة، ثم تتحرك بالتحذيرات والتبريرات، فيما يدفع المواطن المفقر ثمن الإهمال من راحته وصحته.
بعد أكثر من عشرة أيام على تداول الشكاوى والصور، أكدت مديرية صحة اللاذقية في 21 تشرين الأول 2026 أن الحشرة هي بعوضة النمر الآسيوي، المعروفة بلونها الأسود وخطوطها البيضاء، ونشاطها النهاري وقدرتها على التكاثر في كميات قليلة من المياه الراكدة.
ولا تقتصر خطورتها على الحكة والتورم، إذ يمكنها نقل فيروسات مثل حمى الضنك والشيكونغونيا وزيكا، وإن كان وجود البعوضة وحده لا يعني أن هذه الأمراض متفشية محلياً.
لكن ماذا يفيد التحذير إذا بقيت بؤر التكاثر قائمة، والصرف الصحي والتلوث وتجمعات المياه دون معالجة جذرية؟ وكيف يُطلب من المواطنين تفادي الخطر، بينما تكشف تصريحات مديرية النظافة لمجلس مدينة اللاذقية بتاريخ 19/10/2026، عن محدودية الإمكانات ونقص الوقود اللازم لتشغيل آليات الرش، فضلاً عن تراجع فعالية المكافحة في الأجواء الشتوية والماطرة؟
المشكلة ليست في بعوضة وحدها، بل في سياسة انتظار الخطر حتى يصبح واقعاً، فالوقاية ليست حملة موسمية مرتجلة، والرش وحده لا يكفي دون تجفيف بؤر التكاثر، وصيانة شبكات الصرف، وإزالة النفايات، والرصد الصحي والبيئي المستمر.
أما ترك المواطن لمواجهة المشكلة بإمكاناته المحدودة، فليس سوى نقلٍ لكلفة التقصير والإهمال من المؤسسات إلى المواطن.
إلى متى تبقى «قلة الإمكانات» شماعة جاهزة، فيما تُترك الوقاية حتى إشعار آخر؟ وأين مسؤولية الدولة والمحافظة والجهات الصحية والخدمية؟
المطلوب ليس ترقيعاً بعد تفاقم الأزمة، بل تغيير نهج إدارتها: تمويل مستدام، وخطة معلنة، ومكافحة متواصلة، ومحاسبة على التقصير.
فصحة المفقرين ليست بنداً مؤجلاً في الموازنة، والتحذير لا يعفي الدولة من واجب الحماية، بل يجعلها مسؤولة عن تحويل المعرفة بالخطر إلى إجراءٍ يسبقه، لا إلى بيانٍ يلحق به.