يتجاوز النزاع الدائر حول أجور عصر الزيتون في طرطوس، وتحديداً في ظل القرار رقم 141، حدود الخلاف الإداري والتنظيمي، لاسيما وأن «العرجوم» (أو التفل والبيرين) لم يعد نفايات زراعية ثانوية؛ وغدا مصدراً للتدفئة في مواجهة شح المحروقات والارتفاع الفلكي في أسعار الحطب.
هذا التحول الجذري في قيمته الاستخدامية خلق صراعاً حول أحقية الاستفادة منه، كاشفاً عن هوة واسعة بين القرارات الرسمية والواقع المعيشي للمزارعين.
وإن قراءة متأنية للأرقام توضح بجلاء دوافع تمسك المزارع بمخلفات محصوله؛ حيث ينتج طن الزيتون نحو 400 كغ من العرجوم الجاف، وهي تعادل حرارياً 400 كغ من الحطب أو نحو 150 ليتر مازوت. وبالنظر إلى سعر طن الحطب البالغ 4 ملايين ليرة قديمة، فإن قيمة العرجوم تعادل 1,6 مليون ليرة. فيما يبلغ سعر ليتر المازوت 17,500 ليرة، ما يجعل من قيمة العرجوم تُقيم بأكثر من 2,6 مليون ليرة!
وبما أن قرار مديرية التجارة وحماية المستهلك في طرطوس حدد بدل العصر بنسب 7% إلى 9% عيناً، أو 7 إلى 9 ليرات نقداً عن كل كيلوغرام، مع إلزام المزارع بتسليم العرجوم في كلتا الحالتين، فإن الكلفة الفعلية على المزارع لم تعد 9000 ليرة لكل طن، بل يُضاف إليها كلفة التدفئة، التي قد تصل إلى 3,5 ملايين في حال شرائه المازوت للتدفئة.
المفارقة أن محافظات أخرى تترك خياراً ولو غير متكافئ؛ فإدلب حددت 6 ليرات/كغ مع إمكانية الاحتفاظ بالعرجوم مقابل ليرتين عند التخلي عنه، وحلب 8% عيناً مع عودة المخلفات مقابل 6% من دونها. أما طرطوس فألغت الخيار أصلاً، متجاهلة تحول العرجوم من منتج ثانوي إلى وسيلة بقاء.
فالمعاصر تبرر المصادرة بتكاليف التشغيل، بينما يراها المزارع آخر حقاً مادياً متبقٍ له بعد أن اقتطعت أجور العصر جزءاً من إنتاجه، وأصبحت وسائل التدفئة خارج قدرته الشرائية. وبهذا انقلب القرار الذي صُمم لتنظيم العلاقة بين المزارع والمعصرة إلى أداة لتحويل طرفيّ الإنتاج من شريكين إلى خصمين.
ويصبح من الضروري فصل أجرة العصر عن ملكية العرجوم، وتثبيت حق المزارع في مخلفات محصوله ضمن تسعيرة وطنية موحدة تمنع المعاصر من فرض شروطها بقوة الحاجة.