يشكّل الإعلان، بتاريخ 18 تشرين الأول، عن إنشاء صندوق متعدد المانحين للتعافي وإعادة الإعمار في سورية (START)، بإدارة البنك الدولي، خطوة مهمة لحشد الموارد اللازمة لمواجهة الدمار الهائل الذي أصاب البلاد. غير أن الترحيب بالحصول على التمويل الدولي يجب ألا يحجب الأسئلة الجوهرية المتعلقة بشروطه، والجهات التي ستحدد أوجه إنفاقه، وحدود تأثير البنك الدولي والمانحين في قرارات إعادة الإعمار وأولوياتها.
فتجارب الصناديق الدولية المماثلة تُظهر أن التمويل لا يأتي دائماً بوصفه مورداً مالياً محايداً؛ إذ قد تقترن به اشتراطات مالية وإدارية وتنفيذية، أو معايير تحدد المشاريع المؤهلة، والجهات التي يحق لها تنفيذها، وآليات صرف الأموال وتعليقها. وقد تتجاوز هذه الشروط، في بعض الحالات، ضمان النزاهة والكفاءة إلى التأثير في السياسات العامة وتوجيه الموارد وفقاً لأولويات المانحين، التي لا تتطابق بالضرورة مع احتياجات المجتمع السوري ومصالحه الوطنية.
وتكمن الخطورة في أن تتحول إدارة التمويل إلى سلطة فعلية على القرار الوطني؛ فمن يملك الموافقة على المشاريع، وتحديد معايير تمويلها، وتعليق الدفعات، يستطيع التأثير في اتجاهات إعادة الإعمار حتى من دون فرض شروط سياسية معلنة. وقد يؤدي تعدد مصالح المانحين إلى إخضاع التمويل لحسابات خارجية، أو ربطه بتغييرات في السياسات الاقتصادية والإدارية، أو تفضيل قطاعات ومناطق على حساب أخرى، بما يحد من قدرة السوريين على تحديد أولوياتهم بأنفسهم.
ولا تقل خطورة عن ذلك احتمالات تهميش المؤسسات الوطنية، وإضعاف دورها في التخطيط والتنفيذ، وتحويلها إلى جهات تقتصر مهمتها على تطبيق قرارات تُتخذ خارج البلاد. كما أن غياب الشفافية في الاتفاقيات وصلاحيات الإدارة وآليات الاعتراض قد يجعل من الصعب معرفة الشروط الفعلية التي تحكم التمويل، أو مساءلة الجهات التي تتخذ القرارات بشأنه.
ولا يعني ذلك أن البنك الدولي سيفرض حتماً مثل هذه القيود على سورية؛ فالحكم على ذلك يتطلب الاطلاع على الاتفاقية التأسيسية للصندوق ونظام حوكمته وشروط المساهمات. لكن غياب الضمانات المسبقة يترك الباب مفتوحاً أمام مخاطر لا يجوز التقليل من شأنها.
وعليه، ينبغي أن تُنشر الاتفاقيات وقواعد التمويل بوضوح، وأن تُكرس أولوية الخطة الوطنية السورية في تحديد المشاريع، وألا يُمنح أي طرف خارجي حق تعطيل الأولويات الوطنية أو فرض خيارات تتعارض مع المصلحة العامة. كما يجب ضمان مشاركة المؤسسات السورية والسلطات المحلية والمجتمعات المتضررة، وإخضاع الإنفاق لرقابة مستقلة وشفافة.
إن سورية بحاجة إلى التمويل والخبرات الدولية، لكنها ليست بحاجة إلى أن تتحول إعادة إعمارها إلى مدخل للوصاية على قرارها الاقتصادي أو السياسي. فالمعيار الحقيقي لنجاح الصندوق ليس حجم الأموال التي يجمعها، بل مدى خضوعها لأولويات السوريين، وصون سيادتهم، وضمان حقهم في تقرير مستقبل بلادهم.