في قرى دير الزور، من غريبة الشرقية والصور إلى محيميدة والحصان والجيعة، لا تزال معاناة الأهالي مع انقطاع مياه الشرب شاهداً فاضحاً على تردي الواقع الخدمي وعجز الحلول المقدمة عن إنهاء أزمة تمس أبسط حقوق الإنسان. فبدلاً من أن تصل المياه إلى المنازل عبر الشبكات، يجد المواطن نفسه مضطراً إلى شراء حاجته من الصهاريج، ودفع مبالغ شهرية باهظة تستنزف دخله المحدود، في مشهد يختصر حجم المعاناة والاستهتار باحتياجات السكان.
أيُعقل أن يعيش الأهالي على ضفاف الفرات، ثم يضطروا إلى شراء مياه الشرب بأموال يقتطعونها من قوت أطفالهم؟ وأي مبرر يمكن أن يُقدم لاستمرار انقطاع المياه، فيما تتراكم الأعباء على مواطن أنهكته سنوات الحرب والفقر وغياب الخدمات؟ إن المسألة لم تعد مجرد عطل فني أو خلل عابر، بل أزمة مزمنة تستوجب المساءلة، لا مزيد من الوعود والتبريرات.
إن الجهات المعنية مطالبة اليوم، لا غداً، بتوضيح أسباب استمرار الأزمة، والكشف عن خططها ومواعيدها الفعلية لإعادة ضخ المياه، وتحديد المسؤوليات بوضوح. كما أن المطلوب محاسبة كل من يثبت تقصيره أو إهماله، ومراجعة أوجه الإنفاق على مشاريع المياه، وضمان وصول المخصصات إلى أعمال الصيانة والتأهيل، بدلاً من ترك الأهالي يدفعون ثمن الفشل من جيوبهم وصحتهم.
ولا يجوز أن تتحول الصهاريج إلى بديل دائم عن شبكة المياه، أو أن يصبح شراء الماء ضريبة شهرية مفروضة على الفقراء. المطلوب حلول جذرية، وجدول زمني معلن، ورقابة فعلية على جودة المياه وأسعارها، مع نشر تقارير دورية توضح ما أُنجز وما تعثر وأسباب ذلك.
أهالي دير الزور لا يطلبون امتيازات، بل حقهم في مياه نظيفة ومنتظمة. ومن واجب المسؤولين تقديم إجابات واضحة ونتائج ملموسة، لا أعذار اً جديدة. فالعطش لا يُعالج بالوعود، والإهمال لا يُواجه بالصمت، ومن حق الناس أن يعرفوا من المسؤول، وأن يُحاسب كل مقصر، وألا تتكرر هذه المأساة مرة أخرى.