منذ سنوات طويلة، يعاني أهالي بلدة يحمور والقرى المجاورة، ومنها الفطاسية والزرقات وخربة المعزة وبشبطة والكشفة وقلع اليازدية ومنية يحمور وبيت نور الدين، وصولاً إلى الشاطئ البحري ومجمع شاهين السياحي ومجمع النورس في المنطار، من التداعيات البيئية الخطِرة لمكب النفايات المركزي في وادي الهدّة، الذي تحوّل، وفق شكاوى الأهالي، إلى مصدر دائم للروائح الكريهة والدخان والمخاوف الصحية.
عندما جرى الترويج لإقامة هذا المكب لاستيعاب نفايات محافظة طرطوس، قيل إن النفايات ستُعالج وتُحوّل إلى سماد عضوي، واستُقدم معمل لهذا الغرض بكلفة كبيرة. لكن الواقع، بحسب الأهالي، جاء مخالفاً للوعود، إذ لم تعد قدرة المعمل على المعالجة تتناسب مع الكميات الهائلة التي يستقبلها المكب، ولا سيما خلال الصيف مع تضاعف النفايات بفعل الموسم السياحي.
فأين ذهبت الوعود؟ ولماذا ما زالت المنطقة تدفع ثمن أزمة بيئية لم تجد طريقها إلى الحل؟
لم يسكت الأهالي عن هذا الواقع، بل نظموا احتجاجات واعتصامات سلمية، وقطعوا طريق صافيتا - طرطوس احتجاجاً على استمرار المشكلة. وكانت صحيفة «قاسيون» قد نشرت تقريراً عن احتجاجات عام 2015، كما تناولت في آب 2021 احتجاجات جديدة ومخاوف من تلوث مياه الشرب والآبار في المنطقة المحيطة بالمكب.
وفي عام 2021، أفادت تقارير إعلامية بإيقاف ضخ المياه من مشروعي بيت إسماعيل وكرم بيرم القديم بعد ظهور مؤشرات على عدم مطابقة المياه للمواصفات. وهي وقائع تفرض ضرورة إجراء فحوص مستقلة وحديثة للمياه والتربة والهواء، وإعلان نتائجها للرأي العام، بدلاً من ترك الأهالي أسرى المخاوف والتساؤلات.
وفي عام 2026، تجددت الأزمة مع اندلاع حريق في المكب، واستمرار شكاوى السكان من الدخان والروائح الكريهة وتراكم النفايات. كما شهد أيلول تحركات ومطالبات شعبية ورسمية بالتدخل العاجل لمعالجة الوضع.
وعلى الرغم من تشكيل اللجان والوعود والإجراءات التي قيل إنها اتُّخذت لردم النفايات والتخفيف من آثار التلوث، يؤكد الأهالي أن المعاناة لم تنتهِ، وأن الروائح ما زالت لا تُطاق.
وتزداد خطورة المشكلة لأن المنطقة مكتظة بالسكان، وتُعد من المناطق الزراعية المعروفة بزراعة الحمضيات في محافظة طرطوس، فضلاً عن قربها من مواقع سياحية وساحلية. ما يطرح أسئلة جدية عن حماية صحة السكان وسلامة الأراضي الزراعية والمياه.
إن المطلوب اليوم ليس مسكّنات مؤقتة ولا وعوداً جديدة، بل حل جذري ينهي هذه المأساة.
أهالي المنطقة يطالبون بإلغاء المكب من موقعه الحالي، وإيجاد بديل مناسب بعيد عن التجمعات السكنية والأراضي الزراعية، مع اعتماد معالجة علمية آمنة للنفايات، وإجراء فحوص بيئية دورية ونشر نتائجها بشفافية.
بعد سنوات من الاحتجاجات والشكاوى، لم يعد مقبولاً ترك الأهالي يواجهون هذه الأزمة وحدهم. فمن يتحمل المسؤولية؟ ولماذا لم تُعالج المشكلة جذرياً حتى الآن؟
وادي الهدّة ليس مجرد مكب نفايات؛ إنه ملف بيئي خطر يستوجب المساءلة والشفافية والتحرك العاجل. ومن حق أهالي يحمور والقرى المجاورة أن يعيشوا في بيئة سليمة، بعيداً عن الروائح والتلوث والمخاوف على صحتهم ومستقبل أبنائهم.