جاء ترقيع بعض الشوارع في جرمانا وكشكول وكأنما «لرفع العتب»، بعد سنوات من الغياب شبه الكامل للتعبيد. ومع أول هبّة رياح باردة، تلاشت الوعود بقميص اسفلتي كامل.
يقول مجلس المدينة إن الكمية المتاحة تغطي نحو 200 متر فقط، ولا تكفي لمد قميص اسفلتي، فقرر صيانة الحفر في طرقات حيوية. لكن هذا المنطق لا يصمد أمام واقع يغرق بالطين وتفيض مجاريه وتتعدد فيه الحوادث، عدا عن أن «الصيانة» لم تكن أكثر من ترقيع فوق الحفر!
إلا أن المشكلة ليست في كمية الإسفلت اليوم أو البارحة أو غداً، طالما أن هناك سوء إدارة متراكم، كالعجز المالي المزمن، وغياب الشفافية، وعدم إشراك المجتمع المحلي بشكل فعال وشامل، والاعتماد على الحلول الإسعافية بديلاً عن التخطيط الاستراتيجي. وكثيراً ما تُعبد الشوارع لتُحفر مجدداً بغرض إصلاح شبكات الكهرباء، أو الصرف الصحي، ما يشكل استنزافاً واضحاً وهدراً للمال العام، مع ما يرافق ذلك من غياب لمشروع بنية تحتية متكامل يضع حداً للحلول المؤقتة.
وتتجسد الأزمة في العبء الذي يتحمله المواطن؛ فهو يدفع ثمن البنى التحتية ولا يجد خدمات في المقابل، فضلاً عما تعانيه حركة النقل من صعوبات وازدحام. أما السكان، ولا سيما الأطفال، فيدفعون الثمن الأكبر، وهم يكابدون عبور برك الطين والقمامة وصولاً إلى مدارسهم، خاصة في مناطق مثل كشكول وكرم صمادي، حيث تتداخل الأمطار بمياه الصرف الصحي، وتتضاعف مخاطر الأمراض والإصابات.
والخروج من هذه الأزمة المزمنة يبدأ بخطة تنموية متكاملة، عبر تنفيذ البنى التحتية قبل ترقيع المُرقَّع، وتمويل مستدام عبر شراكات محلية، ووضع أولويات واضحة. لأن المشكلة أعمق من 200 متر من الإسفلت، وهي في جوهرها أزمة إدارة وحوكمة تعجز عن ترجمة الوعود إلى واقع، وتترك المواطن وحيداً في مواجهة الوحل والصرف الصحي والحفر والقمامة.
حتى الآن، لم يُنفذ شيء من الوعود، وواقع المدينة يُنذر الأهالي بأنهم على عتبة شتاء آخر من الإهمال الذي يعيد إنتاج الأزمة ذاتها، ويترك المدينة غارقة في عجز إداري مطبق ينحر كرامة سكانها ويقايض أبسط حقوقهم بالوعود.