Skip to main content

اتحاد الفنانين التشكيليين... الرواق العربي في مرمى الاستثمار

 |  قاسيون  |  محليات

لم تعد أزمة صالة الرواق العربي في دمشق مجرد خلاف حول عقد استثمار، بل باتت تطرح أسئلة أعمق عن إدارة ممتلكات اتحاد الفنانين التشكيليين في سورية، وشفافية قراراته، ومدى احترام حق الفنانين في المشاركة في تقرير مصير فضاءاتهم الثقافية.

بدأت ملامح الأزمة تتضح في 9 تشرين الأول 2026، مع استقالة إبراهيم برغود، مستشار الشؤون الإدارية والفنية في الاتحاد، الذي تحدث في بيان استقالته عن سوء إدارة ملف الاستثمارات، إلى جانب مشكلات إدارية ومالية وتعثر الإصلاح الذي قال إنه جاء للمساهمة فيه. والاستقالة، بما تضمنته من انتقادات، تفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن آليات اتخاذ القرار والرقابة على استثمارات الاتحاد، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات وقوع مخالفات.
وفي 10 تشرين الأول، برز اعتراض فرع دمشق على الطروحات المتعلقة باستثمار صالة الرواق العربي، وسط حديث عن غياب التشاور وتجاهل مراسلات سابقة بشأن الصالة. ولم يكن الاعتراض تفصيلاً إدارياً، فالرواق ليس عقاراً عادياً، بل مساحة احتضنت معارض وأجيالاً من الفنانين، وشكّلت جزءاً من ذاكرة الحركة التشكيلية السورية.
في المقابل، أوضح الاتحاد، في بيان نشرته وكالة سانا في 11 تشرين الأول، أن هدف الاستثمار هو تأهيل الصالة وتحسين تجهيزاتها وتوفير موارد لصندوق التقاعد، مؤكداً أن العقد لا يستهدف تغيير الطابع التراثي للمكان، وأن الأنشطة الفنية ستستمر. وهي مبررات تستحق المناقشة، لكنها لا تُغني عن نشر تفاصيل العقد وشروطه المالية والإدارية، وتوضيح آليات إقراره وضمانات حماية الوظيفة الثقافية للصالة.
وفي 14 تشرين الأول، اتسع ملف الاعتراضات مع إعلان برغود تقديم شكوى إلى محافظ حلب بشأن شبهات مخالفات مالية وإدارية تتعلق باستثمارات في مقر الاتحاد هناك. وتبقى هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيق مستقل، لكنها تعزز ضرورة إخضاع إدارة الممتلكات والعقود للمراجعة والشفافية، بدلاً من الاكتفاء بالتراشق بالتصريحات.
أما التطور الأبرز، فجاء مع إعلان فرع دمشق إحالة عقد الرواق إلى الجهات القانونية المختصة وهيئة الرقابة والتفتيش، مع إيقاف الأعمال في الصالة إلى حين صدور القرار، وفق ما نقلته تقارير صحفية في 15 تشرين الأول. وهكذا انتقلت القضية من الاعتراض إلى مرحلة تستدعي إجابات موثقة ومساءلة واضحة.
إن جوهر القضية ليس رفض الاستثمار بالمطلق، ولا إنكار حاجة الاتحاد إلى موارد مالية، بل رفض أن تتحول الضرورات المالية إلى مبرر لتهميش الفنانين أو الانتقاص من حقهم في فضاء ثقافي مشترك. فالتطوير الحقيقي لا يُقاس بالعائد المالي وحده، بل بقدرته على صون هوية المكان وضمان استمراره في خدمة الفن.
المطلوب اليوم نشر العقد ونتائج مراجعته، وتوضيح المسؤوليات والصلاحيات، والتحقيق في الشكاوى وفق الأصول، وإشراك الفنانين في القرارات التي تمس مؤسساتهم. فالرواق العربي ليس فرصة استثمارية فحسب، إنه ذاكرة ثقافية وحق للفنانين، وحمايته مسؤولية لا يجوز اختزالها في حسابات الربح والخسارة.