Skip to main content

رأس العين والعودة إلى الدمار... من ينهي معاناة المهجّرين؟

 |  قاسيون  |  محليات

ليس كافياً أن يعود المهجّرون إلى رأس العين وريفها، إذا كانت عودتهم تعني مواجهة الدمار والعطش وانعدام الخدمات من جديد. فبعد سنوات من النزوح، وجد مواطنون أنفسهم أمام واقع قاسٍ، كأن رحلة المعاناة لم تنتهِ، بل انتقلت من خيام المخيمات إلى خيام نُصبت أمام منازل مدمّرة.

يختصر أحد العائدين من مخيم واشوكاني إلى قرية العريشة بريف رأس العين، المأساة بعبارة موجعة: «عدنا من الخيمة إلى الخيمة مجدداً». فقد وجد منزله متضرراً بشدة، مع انهيار جدران وغرف، فيما تفتقر القرية إلى المياه والكهرباء، وتعرضت مدرستها لأضرار كبيرة. وأوضح أن الأهالي يضطرون إلى شراء المياه، بينما لا تكفي المساعدة المالية المعلنة، بحسب تقديره، لترميم غرفة واحدة متضررة.
أما إحدى العائدات إلى قرية خربة جمو في منطقة زركان، فتصف واقعاً لا يقل قسوة، مؤكدة أن القرية ومنازلها مدمرة، وأن الحياة في المخيم كانت أفضل من البقاء وسط هذا الخراب، لكنها شددت على أن الأرض والبيوت تبقيان موطن الأهالي الذي يريدون إعادة بنائه.
هذه الشهادات ليست تفاصيل هامشية، بل إدانة واضحة لأي تعامل مع ملف العودة باعتباره مجرد نقل للعائلات من مكان إلى آخر. فما قيمة العودة إذا لم يجد المواطن سقفاً آمناً، وماءً نظيفاً، وكهرباءً، ومدرسة لأطفاله، ومركزاً صحياً يستطيع الوصول إليه دون تكبد مشقة السفر إلى الحسكة أو القامشلي؟
وفي 11 تشرين الأول 2026، أعلنت وكالة سانا أن مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في الحسكة تعد خطة بالتنسيق مع منظمات إنسانية لدعم الأسر العائدة، تتضمن مساعدات مالية ومواد منزلية، على أن تشمل مراحل لاحقة تعزيز الأمن الغذائي ودعم المشاريع الصغيرة والمهن. كما أشارت الوكالة إلى عودة دفعات متتالية من العائلات إلى مناطقها الأصلية.
هذه الخطوة مطلوبة، لكنها لا تكفي وحدها. فالتسجيل وحصر الاحتياجات وإعداد الخطط لا تعني أن المياه وصلت، أو أن المنازل رُممت، أو أن الخدمات الصحية والتعليمية استعيدت. المطلوب هو الانتقال من الوعود إلى التنفيذ، ومن الإعلان عن المساعدات إلى ضمان وصولها فعلياً إلى مستحقيها.
إن ترك العائلات تواجه هذه الظروف وحدها يفرغ العودة من معناها، ويحوّلها إلى عبء إضافي على أشخاص أنهكتهم سنوات النزوح والفقر وفقدان الممتلكات. ولا يجوز مطالبة المواطنين بإعادة بناء حياتهم فيما تظل أبسط مقومات الاستقرار غائبة.
المطلوب اليوم تحرك عاجل من الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، يتضمن ترميم المنازل، وتأمين المياه والكهرباء، وإعادة تأهيل المدارس والمراكز الصحية، وتوفير فرص العمل، وحماية حقوق الملكية، مع نشر بيانات واضحة عن المساعدات المقدمة والنتائج المحققة.
أهالي رأس العين لا يحتاجون إلى العودة على الورق، بل إلى عودة تحفظ كرامتهم وتضمن حقهم في حياة آمنة. فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس عدد العائلات التي وصلت، بل عدد العائلات التي استطاعت أن تعيش بكرامة بعد وصولها.