Skip to main content

خيام تغرق وكرامة تُترك تحت المطر

 |  قاسيون  |  محليات

مع أولى زخات المطر، تعود المأساة ذاتها إلى مخيمات النزوح في شمال سورية، حيث لا تعلن السماء بداية فصل جديد بقدر ما تعلن بداية معركة قاسية يخوضها آلاف النازحين للبقاء على قيد الحياة. هناك، لا تعني الأمطار خيراً ينتظر الأرض العطشى، بل تعني خياماً تغرق، وفرشاً تبتل، وأطفالاً يرتجفون من البرد، وعائلات تستيقظ لتجد المياه قد اقتحمت ما تبقى لها من مأوى.

في مخيمات إدلب وريف حلب، يعيش آلاف السوريين بين الوحل والبرد، في خيام أنهكتها سنوات النزوح، لم تعد قادرة على صد الرياح، ولا على حماية ساكنيها من الأمطار. طرقات تتحول إلى مستنقعات، وممرات تضيق أمام الأمهات والأطفال وكبار السن، فيما تتحول أبسط الاحتياجات، من بطانية جافة إلى وسيلة تدفئة آمنة، إلى مطالب يصعب تحقيقها.
والأكثر إيلاماً أن كثيراً من هؤلاء لم يختاروا المخيمات، ولم يقرروا أن تكون الخيام بيوتهم الدائمة. دفعتهم الحرب والتهجير القسري إلى مغادرة منازلهم، فوجدوا أنفسهم عالقين في واقع لا يوفر الحد الأدنى من الأمان والكرامة. وبينما تتكرر مشاهد الغرق مع كل موسم أمطار، تتكرر معها الوعود والمناشدات، وكأن معاناة النازحين أصبحت مشهداً موسمياً اعتاد العالم رؤيته دون أن يتحرك بما يكفي لإنهائه.
إن ترك العائلات في خيام متهالكة أمام الشتاء ليس مجرد تقصير في الاستجابة الإنسانية، بل إخفاق في حماية أبسط حقوق الإنسان. فالمطلوب لا يقتصر على توزيع البطانيات والسلال الإغاثية بعد وقوع الكارثة، بل يتطلب تحركاً عاجلاً لتأمين مساكن لائقة، وتصريف مياه الأمطار، وتوفير التدفئة والغذاء والرعاية الصحية.
ليس مقبولاً أن يتحول الشتاء كل عام إلى اختبار جديد لقدرة النازحين على الاحتمال. فهؤلاء لا يحتاجون إلى الشفقة العابرة، بل إلى حماية حقيقية وحلول تنهي سنوات الانتظار. ومن حق كل طفل أن ينام آمناً، وكل أم أن تحمي أبناءها من البرد، وكل عائلة أن تعيش تحت سقف لا تسقطه أول عاصفة.
فالخيام ليست وطناً، والوحل ليس قدراً، وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تغرق مع أول المطر.